من هو أوديسيوس بطل ملحمة كريستوفر نولان الجديدة؟
12 أغسطس 2025
هذه ترجمة لمقالة "Who is Odysseus, hero of Christopher Nolan’s new epic?" المنشورة على منصّةThe Conversation.
في مكان ما بين البطل والمحتال، ورب الأسرة وزير النساء، والملك والمحتال، يقف أوديسيوس باعتباره إحدى أعقد الشخصيات في الأدب القديم. ففي الإلياذة، هو العقل المدبر وراء حيلة حصان طروادة. وفي الأوديسة لهوميروس، هو بطل رحلة عودة استمرت عشر سنوات، واجه خلالها آلهة ووحوشًا وإغراءات ومآزق أخلاقية عميقة. وفي العام المُقبل، سيصبح أوديسيوس بطل ملحمة سينمائية جديدة للمخرج كريستوفر نولان، وسيؤدي دوره الممثل مات ديمون.
رحلة أوديسيوس من طروادة إلى إيثاكا في الأوديسة ليست طريقًا مستقيمًا، بل متاهة ملحمية مليئة بالعواصف، والإغراءات، وضغائن الآلهة، والتهديدات الوجودية. وبدلًا من العودة إلى وطنه في غضون أسابيع، قضى عقدًا كاملًا تائهًا. احتجزته الحوريات، وقاوم نداءات السيرينات، وشاهد أفراد طاقمه يموتون واحدًا تلو الآخر. كل محطة في رحلته اختبرت جوهر هويته قبل دهائه.
الأوديسة ليست حكاية عن صمود نبيل، بل دراسة في فن البقاء. أوديسيوس يخدع، ويتنكر، ويتورط في علاقات عاطفية مشبوهة أخلاقيًا مع الساحرة سيرس، والحورية كاليبسو، والأميرة ناوسيكا. يفعل ذلك أحيانًا بدافع الضرورة الاستراتيجية، وأحيانًا بدافع الرغبة الخالصة.
في عالم هوميروس، الخيانة وسيلة للبقاء. إذ ينجو أوديسيوس لا بأحكامه الأخلاقية القاطعة، بل بمرونته الأخلاقية. فإخلاصه لزوجته بينيلوبي – التي ستؤدي دورها آن هاثاواي في الفيلم الجديد – إخلاص طويل المدى لكنه غير مُستقيم الاتجاه، وبوصلته تتجه دومًا نحو إيثاكا، وإن سلك انعطافات كثيرة.
الأوديسة ليست حكاية عن صمود نبيل، بل دراسة في فن البقاء
السؤال هنا، هل ستنجح هذه المرونة في اختبار معاييرنا الأخلاقية الحديثة؟ على الأرجح لا. لكن ما جعل أوديسيوس ناجحًا لم تكن نزاهته الأخلاقية، بل قدرته على التكيف مع كل موقف، حتى لو تطلَّب ذلك كسر القواعد.
وبينما يتكيَّف أوديسيوس، تصمد بينيلوبي بمرونة استراتيجية. فعلى مدى عشرين عامًا، تصدت لمن يطلبون الزواج منها بمماطلة ذكية، كانت تنسج كفن لجثمان والد زوجها لايرتيس نهارًا ثم تفك ما غزلت ليلًا. كانت مقاومتها بطيئة الإيقاع، وعنيدة، لا سلاح فيها سوى الخيوط والصمت.
إذا كان أوديسيوس يواجه الوحوش في الخارج، فإن بينيلوبي تتقن ساحة المعركة المنزلية. إخلاصها في غياب زوجها فعل مقصود وواعٍ وسياسي الطابع. في عالم تحكمه السلطة الأبوية، تكمن قوتها في الصبر والتريث. حكايتها تمثل حكاية عمل عاطفي شاق وصمود استراتيجي.
الحبكات الملتوية والرحلات غير الخطية
تُعد الأوديسة تحفة قديمة في فن السرد غير الخطي. إذ تبدأ الأحداث من منتصف القصة، وتعتمد على الحكايات المتداخلة، والاسترجاع الزمني، وتعدد وجهات النظر. يتولى أوديسيوس بنفسه سرد أجزاء كبيرة من رحلته، معيدًا صياغة الأحداث وفق رؤيته، ومعيدًا تشكيل ذاته في ضوء ما تذكر. وتتحول الذاكرة إلى مشاهد متتابعة، وتخضع الحقيقة لمقتضيات الضرورة، ويمتزج الواقع بالخيال.
هوميروس لم يروِ قصة فحسب، بل بنى متاهة. وهكذا سبقت الأوديسة الأشكال مكسورة البنية في الأدب والسينما الحديثة، حيث تتبدل الهوية، ويُصبح الزمن نفسه قابلًا لإعادة التشكيل.
تُعد الأوديسة تحفة قديمة في فن السرد غير الخطي
عندما عاد أوديسيوس أخيرًا إلى إيثاكا، متنكرًا في هيئة متسول، بدأ يقيّم بصمت خسائر رحلته. لم يكن ذلك المشهد تتويجًا رومانسيًا لقصته، بل خطوة محسوبة بعناية. فلا نرى بينيلوبي ترتمي بين ذراعيه، بل نراها تختبره. فلم تصدق عودته إلا بعدما اجتاز اختبارها الحميم، بثورته غاضبًا عندما اقترحت نقل سريرهما الذي بناه حول شجرة زيتون حيّة.
كان لقاؤهما أقرب إلى تفاوض حذر منه إلى عناق هوليوودي. نعم، لقد كان إعلانًا عن عودة طال انتظارها، لكنها عودة مليئة بالشك، والصدمات، والاختبار المستمر. فالعودة إلى الوطن، تمامًا مثل النجاة، أمر معقد.
أوديسيوس ليس بطلًا مثاليًا بل ناجٍ تفاوض مع الوحوش، وحاور الآلهة، وزحف عائدًا إلى وطنه متنكرًا في هيئة متسول. رجل صاغته الحيلة بقدر ما صاغته العواقب.
هل كان أوديسيوس لينجح في امتحان أخلاقيات معاصر؟ بالتأكيد لا. ولكن هل كان سيسحر أساتذته ويقلب السؤال لصالحه، ويغادر القاعة بدرجة امتياز؟ بلا شك. فبعض القصص تبقى خالدة، ليس لأنها رويت تمامًا كما حدثت، ولكن لأنها رويت على ألسنة الناجين.