من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية
13 مايو 2026
في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وصل شاب صيني منقطع عن الدراسة إلى العاصمة بكين حاملاً 600 زوج من الأحذية، في محاولة بسيطة لبيعها وتحقيق بعض الأرباح. لكن تلك الخطوة الصغيرة تحولت بعد عقود إلى واحدة من أكبر قصص الصعود الصناعي في الصين، بعدما أصبحت شركته "أنتا" تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس.
مؤسس الشركة، دينغ شيزهونغ، لم يكن يتجاوز السابعة عشرة عندما بدأ مشروعه المتواضع، مستفيدًا من التحولات الاقتصادية التي شهدتها الصين مع انفتاحها التدريجي على اقتصاد السوق تحت إشراف الحزب الشيوعي الصيني.
من ورشة متواضعة إلى علامة عالمية
وحسب تقرير لشبكة "بي بي سي" البريطانية، أسس دينغ شركة أنتا عام 1991 في مدينة جينغيانغ بمقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين، وهي منطقة تحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم مراكز تصنيع الأحذية في العالم.
أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟
وسرعان ما جذبت المدينة استثمارات ضخمة من شركات الأحذية العالمية الباحثة عن مصانع منخفضة التكلفة، لتنشأ شبكة صناعية متكاملة تضم مصانع النعال والأقمشة والأربطة وشركات الشحن والخدمات اللوجستية. وبحلول عام 2005، كانت مقاطعة فوجيان وحدها تنتج نحو خُمس أحذية العالم، وفق تقديرات أممية، بينما باتت جينجيانغ تُعرف عالميًا باسم "عاصمة الأحذية".
وسط هذه البيئة الصناعية، بدأت "أنتا" تصنيع الأحذية لصالح علامات تجارية عالمية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى علامة مستقلة تمتلك شبكة توزيع ضخمة داخل الصين.
استراتيجية مختلفة عن الشركات الصينية التقليدية
لم تكتفِ "أنتا" بدور المصنع المتعاقد مع الشركات الغربية، بل ركزت منذ وقت مبكر على بناء اسم تجاري خاص بها داخل السوق الصينية، عبر افتتاح متاجر جديدة ورعاية بطولات رياضية وطنية في كرة السلة وتنس الطاولة.
وفي عام 2007، أدرجت الشركة أسهمها في بورصة هونغ كونغ، وجمعت نحو 3.5 مليارات دولار هونغ كونغي، في واحدة من أكبر عمليات الطرح لشركة رياضية صينية آنذاك.
ويرى خبراء تسويق أن الشركة استفادت من امتلاكها منظومة تصنيع متكاملة مكّنتها من تصميم وإنتاج الأحذية بسرعة تفوقت بها على منافسين محليين كثيرين، إلى جانب استهدافها الفئة نفسها التي تستهدفها العلامات الغربية الكبرى.
بوابة "أنتا" إلى العالم
سعت "أنتا" إلى تجاوز الصورة النمطية المرتبطة بالمنتجات الصينية باعتبارها منخفضة الجودة، فاعتمدت على استراتيجية توسع قائمة على الاستحواذات العالمية. وكانت البداية عام 2009 عندما حصلت على حقوق علامة "فيلا" داخل الصين، ونجحت في تحويلها إلى واحدة من أبرز مصادر أرباحها.
ثم جاءت الخطوة الأضخم عام 2019 عبر شراء حصة مسيطرة في شركة Amer Sports الفنلندية، المالكة لعلامات عالمية مثل Arc'teryx وSalomon، إضافة إلى علامة Wilson الأميركية المتخصصة بمعدات التنس وكرة السلة.
وفي أحدث تحركاتها، استحوذت "أنتا" على حصة تبلغ 29% في شركة بوما الألمانية، في خطوة تهدف إلى تعزيز حضور الشركة الأوروبية داخل السوق الصينية.
ويرى محللون أن هذه السياسة تمنح "أنتا" قدرة على دخول الأسواق الغربية عبر علامات تجارية معروفة أصلًا، بدل فرض اسم صيني جديد على المستهلك الغربي المتردد تجاه المنتجات القادمة من الصين.
مواجهة مباشرة مع "نايكي" و"أديداس"
تمتلك "أنتا" اليوم أكثر من 12 ألف متجر داخل الصين، إضافة إلى مئات المتاجر الخارجية، مع خطط للتوسع بقوة في جنوب شرق آسيا والأسواق الغربية.
وفي شباط/فبراير الماضي، افتتحت الشركة أول متجر رئيسي لها في الولايات المتحدة داخل منطقة بيفرلي هيلز الراقية في لوس أنجلوس، في خطوة رمزية تعكس طموحها لاختراق السوق الأميركية، معقل المنافسة التقليدية لشركات الملابس الرياضية الكبرى.
وتعتمد الشركة كذلك على التعاقد مع نجوم رياضيين لتعزيز حضورها العالمي، إذ ترتبط بشراكات مع لاعبين مثل كلاي تومسون وكايري إيرفينغ، وهما من نجوم الدوري الأميركي لمحترفي كرة السلة NBA، إلى جانب المتزلجة الأميركية الصينية إيلين جو، والتي أثارت جدلًا واسعًا بعد تمثيلها الصين في الألعاب الأولمبية بدلًا من الولايات المتحدة.
صعود صيني في وقت صعب للمنافسين
يأتي توسع "أنتا" في وقت تواجه فيه شركات مثل "نايكي" و"أديداس" تحديات متزايدة، من بينها تباطؤ الطلب داخل الصين، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتأثير الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات الآسيوية. كما تستفيد الشركات الصينية من التطور المتسارع في الأتمتة والروبوتات داخل المصانع، ما يساعدها على خفض التكاليف وتسريع الإنتاج.
ويرى مراقبون أن صعود "أنتا" ليس حالة منفردة، بل جزء من موجة أوسع لشركات صينية بدأت كمصانع أو مورّدين لشركات غربية، قبل أن تتحول إلى علامات عالمية مستقلة، مثل Xiaomi وDJI وBYD.
قبل أكثر من عشرين عامًا، قال مؤسس الشركة دينغ شيزونغ: "لا نريد أن نكون نايكي الصين، بل أن تصبح أنتا علامة عالمية". واليوم، تبدو الشركة أقرب من أي وقت مضى لتحقيق ذلك الهدف، مستفيدة من قوة سلاسل التوريد الصينية، وتراجع بعض المنافسين التقليديين، وتغير أذواق المستهلكين الباحثين عن علامات جديدة في سوق الملابس الرياضية العالمي.