مهرجان "لوكارنو" السينمائي: ما بين الحسابات التجارية والهوية الثقافية
17 أغسطس 2026
إن بحثنا عن المناخ التاريخي والسياسي والثقافي والجمالي الذي نشأ فيه مهرجان "لوكارنو" للسينما، يجعلنا أمام مفارقة نادرة في تاريخ المؤسسات الثقافية الحديثة. فلم تولد هوية المهرجان من مرجعية جمالية واضحة، ولا من مشروع ثقافي تبنّته الدولة، ولا من تيار فني سعى إلى فرض تصور جديد للسينما، بل وُلدت من فراغ اقتصادي. إذ احتاجت المدينة إلى الزوار، فأنشأت المهرجان. غير أن التاريخ الثقافي لا يهتم كثيرًا بالبدايات بقدر ما يهتم بالتحولات التي تشهدها. فما بدأ وسيلة لتنشيط الموسم السياحي السويسري تحوّل، عبر عقود، إلى مؤسسة تملك سلطة حقيقية على معايير السينما وآليات اكتساب الشرعية لدخول الحقل الثقافي العالمي.
تكمن المفارقة في أن المهرجان لم ينجح تسويقيًا، فقد حرمته محدودية موقعه الجغرافي داخل مدينة سويسرية صغيرة من منافسة المهرجانات التي تملك أسواقًا وصناعة، فاضطر إلى البحث عن قيمة تنافسية مغايرة، فراهن على المستقبل، محولًا نقطة ضعفه إلى مصدر قوة.
"لوكارنو" الذي احتل مكانًا في فراغ لم يملأه الآخرون
وُلد لوكارنو في لحظة انتقالية من تاريخ المهرجانات الأوروبية. افتُتحت أمسيته الأولى في الثالث والعشرين من آب/أغسطس 1946 في "الغراند أوتيل" بمدينة لوكارنو، أي قبل أسابيع من الدورة الأولى لمهرجان "كان" في أيلول/سبتمبر من العام نفسه. لم يتأخر "لوكارنو" عن السباق إذًا، بل خسره من نقطة الانطلاق ذاتها، لكن الثقافة كثيرًا ما تزحف من الهامش إلى المركز. فـ"لوكارنو" لم يكتفِ باستضافة سينمائيي الهامش، بل منح هذا الهامش موقعًا يسمح له بالتأثير في الذائقة السينمائية العالمية وإضفاء الشرعية التي كانت حكرًا على المراكز الكبرى. فبنى جزءًا من مكانته على قدرته على اكتشاف أسماء لم تكن تملك أي شرعية مسبقة.
تكشف الجوائز التي منحها المهرجان خلال العقود الماضية عن تصور محدد للسينما. فهو لا يكافئ الأفلام لأنها تتناول قضية راهنة، ولا لأنها تنسجم مع المزاج السياسي السائد، بل لأنه يرى فيها اقتراحًا جديدًا للغة السينمائية
ثم جاءت الحرب الباردة فأعطت هذا الدور بُعدًا سياسيًا إضافيًا، بحيث لم يكن استقبال أفلام أوروبا الشرقية مجرد انفتاح ثقافي أو لفتة دبلوماسية عابرة، بل مشاركة فعلية في إعادة موضعة خريطة السينما العالمية. تعرّض المهرجان لانتقادات حادة لأنه منح أفلامًا من وراء الستار الحديدي مساحة ورؤية، وخصّص في دورة 1990 قسمًا كاملًا لأفلام أوروبا الشرقية التي منعتها حكوماتها في الستينيات. فالصراع بين الشرق والغرب لم يُخَضْ بالاقتصاد والسلاح وحدهما، بل دار أيضًا حول حق الظهور حكائيًا وجغرافيًا وحق تمثيل الذات.
ما شكل السينما التي احتفى بها "لوكارنو"؟
تكشف الجوائز التي منحها المهرجان خلال العقود الماضية عن تصور محدد للسينما. فهو لا يكافئ الأفلام لأنها تتناول قضية راهنة، ولا لأنها تنسجم مع المزاج السياسي السائد، بل لأنه يرى فيها اقتراحًا جديدًا للغة السينمائية. علّلت لجنة هذا العام منح الجائزة الكبرى لفلورين شربان بقوة كتابته وتفرّد رؤيته وسيطرته الاستثنائية على اللغة السينمائية.
لهذا، كثيرًا ما بدت بعض اختياراته عصية على الفهم عند صدورها، قبل أن يثبت الزمن قدرتها على البقاء. فالنقد لا يكتفي بتتبع الجوائز ومراقبتها، بل يسأل أيضًا عن المؤسسة التي تمنحها. فما الذي يجعل مفردات مثل "الرؤية" و"اللغة" و"الكتابة" تتكرر في خطابات لجان التحكيم؟ وما الذي يجعل هذه القيم تتصدر سلّم التقدير؟ في الواقع، لا تكتفي المهرجانات بالحكم على الأفلام، بل تساهم في إنتاج المعايير التي يُحكم بها عليها. كل جائزة كبرى تحمل في داخلها تصورًا ضمنيًا لما ينبغي أن تكون عليه السينما.
"لوكارنو".. من مرّ من هناك؟
في مسابقة 1958، شاهد العالم فيلم "سيرج الجميل" لكلود شابرول، أول أفلام الموجة الجديدة الفرنسية، قبل أن يتلمس الكون أن موجة سينمائية جديدة تولد. ومنحت لجنة التحكيم الدولية في العام التالي جائزة أفضل إخراج لستانلي كوبريك عن "قبلة القاتل"، وكانت الجائزة يومها أعلى ما يمنحه المهرجان، عندما لم يكن كوبريك قد صار كوبريك بعد.
تكرّر النمط في العقود التالية. فاز جيم جارموش بـ"الفهد الذهبي" عام 1984 عن "أغرب من الجنة"، وهو الفيلم الذي أسّس السينما الأميركية المستقلة كما نعرفها. ونالت كلير دوني الجائزة نفسها عام 1996 عن "نينيت وبوني"، في الدورة التي أعلن فيها المهرجان تحولًا في بنيته، حين رفع عن مسابقته شرط الاقتصار على الأفلام الأولى والثانية، وخصّص تظاهرة لأفلام يوسف شاهين.
عام 2013، ذهب "الفهد الذهبي" إلى ألبير سيرّا عن "تاريخ موتي"، وهو فيلم لم يكن له أن يجد عرضًا في السينما التقليدية لولا حفاوة "لوكارنو". وفي عام 2015، توّج هونغ سانغسو عن "الآن صحيح، آنذاك خطأ". ثم جاءت دورة 2019 لتمنح بيدرو كوستا "الفهد الذهبي" عن "فيتالينا فاريلا"، مع جائزة أفضل ممثلة، إلى جانب تظاهرة «الضوء الأسود» عن السينما السوداء في العالم.
أما القائمة التي يعدّدها المهرجان ذاته فأطول: روبرتو روسيلليني، ميكيلانجيلو أنطونيوني، ميلوش فورمان، ماركو بيلوكيو، لينا فيرتمولر، عباس كياروستامي، ألكسندر سوكوروف، راؤول رويز، سبايك لي، كاثرين بيغلو، أبيتشاتبونغ ويراسيتاكول، بريلانتي مندوزا، ألان غيرودي، دومينغا سوتومايور، سيرو غيرا، رونغانو نيوني. ينبغي التعامل مع هذه القائمة بحذر الناقد لا بحماسة الناشر، لأنها جزء من الخطاب الذي تبنيه المؤسسة عن نفسها، ولأن المرور بمهرجان لا يعني الانطلاق منه دائمًا. تبقى مع ذلك حقيقة واحدة صلبة: قلّة من المهرجانات تستطيع أن تجمع كوبريك وشابرول وجارموش ودوني وكوستا في سجل واحد، وأن تلتقطهم جميعًا قبل أن يصيروا ما صاروا إليه.
كيف بدت دورة "لوكارنو" السينمائية لهذا العام؟
اختتم مهرجان "لوكارنو" عروضه في الخامس عشر من آب/أغسطس 2026، بعد دورة بدت وفية للتقليد الذي صنع سمعته أكثر مما بدت منشغلة بإعادة تعريفه. ذهبت الجائزة الكبرى إلى فيلم الروماني فلورين شربان "لا مكان لك هنا"، وهو اختيار يكشف الكثير عن الذائقة التي ما زالت تحكم المهرجان. لا يقدّم الفيلم موضوعًا جديدًا بقدر ما يقدّم معالجة تراهن على البناء الدرامي وعلى السيطرة الدقيقة على اللغة السينمائية.
ومنح المهرجان جائزة الإخراج لهونغ سانغسو عن "لا مكان أضع فيه عينيّ"، وهو أحد أكثر المخرجين تمسكًا بفكرة سينما المؤلف، وأشدهم انصرافًا عن الإغراءات السردية التقليدية.
عبر تتبع ذائقة مهرجان "لوكارنو"، يبدو أنه ما زال ينحاز إلى السينما التي تفضّل المغامرة على اليقين، وإلى المخرجين الذين يوسّعون حدود الشكل أكثر مما يكرّرون الصيغ المألوفة
أما في مسابقة "سينمائيو الحاضر"، فحصدت أليساندرا سانغوينيتي الفهد الذهبي وجائزة أفضل عمل أول عن "وهم صيف لا ينتهي"، وثيقتها الطويلة الأولى التي صوّرتها على مدى خمسة وعشرين عامًا لقريبتين تكبران في البامبا الأرجنتينية. وليس من المصادفة أن يذهب أحد أهم جوائز المهرجان إلى عمل أول لمصوّرة راسخة في "ماغنوم" تدخل السينما متأخرة.
أما الحضور العربي فقد أتى مركّزًا لا واسعًا، لكنه ترك أثرًا. فقد نال الفلسطيني مهند يعقوبي جائزة لجنة التحكيم الخاصة في القسم نفسه عن "الثوار لا يموتون"، وهو فيلم يعود إلى أرشيف اللبنانية جوسلين صعب ليعيد تركيب زمن عربي كامل من أشرطتها، ومن دعوة تعاون بعثتها إليه قبل شهرين من رحيلها ولم يُجب عنها، في حوار بين جيلين من السينمائيين يفصل بينهما الموت وتجمعهما الذاكرة.
واقتسمت اللبنانية منال عيسى جائزة أفضل أداء في القسم ذاته عن "مرعى الصيف" لنائل خليفي وليزا دوبوش، فيما نال الفيلم المصري "خوفو" لمحمود عاصي الفهد الفضي الصغير في مسابقة (Pardi di Domani) للأفلام القصيرة.
عبر تتبع ذائقة المهرجان، يبدو أنه ما زال ينحاز إلى السينما التي تفضّل المغامرة على اليقين، وإلى المخرجين الذين يوسّعون حدود الشكل أكثر مما يكرّرون الصيغ المألوفة. فإذا كانت المهرجانات الكبرى تقيس أحيانًا نبض الصناعة، فإن "لوكارنو" ما زال يحاول قياس شيء آخر: المسافة الفاصلة بين الفيلم الآن، وذاته بعد سنوات.