ميتا تنهي التشفير على إنستغرام وتفتح باب الجدل حول الخصوصية
10 مايو 2026
أوقفت منصة ميتا ميزة "التشفير التام بين الطرفين" في الرسائل الخاصة على إنستغرام، في خطوة وصفت بأنها واحدة من أكبر التحولات في سياسة الخصوصية لدى الشركة منذ سنوات، بعدما كانت تعتبر التقنية "مستقبل التواصل الآمن" على الإنترنت.
القرار الذي دخل حيّز التنفيذ عالميًا في 8 أيار/مايو 2026، يعني أن مستخدمي إنستغرام لن يتمكنوا بعد الآن من إرسال رسائل مشفرة بالكامل لا يمكن لأحد الاطلاع عليها سوى المرسل والمستلم، وهو ما يفتح الباب أمام وصول الشركة إلى محتوى الرسائل المباشرة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو والملاحظات الصوتية.
نهاية مشروع استمر سبع سنوات
منذ عام 2019، كانت ميتا تدفع باتجاه توسيع استخدام التشفير الكامل عبر منصاتها المختلفة، معلنة آنذاك أن "المستقبل خاص". وبعد تطبيق التقنية على "فيسبوك ماسنجر" عام 2023، بدأت الشركة بتوفيرها اختياريًا على إنستغرام، تمهيدًا لجعلها الوضع الافتراضي.
لن يتمكن مستخدمو إنستغرام من إرسال رسائل مشفرة بالكامل لا يمكن لأحد الاطلاع عليها، وهو ما يفتح الباب أمام وصول "ميتا" إلى محتوى الرسائل المباشرة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو والملاحظات الصوتية
لكن المشروع انتهى فعليًا بعد سبع سنوات من العمل، عندما قررت الشركة وقف التوسع في الميزة والتراجع عنها بالكامل على إنستغرام، مكتفية بما يُعرف بـ"التشفير القياسي"، وهو النظام الذي يسمح لمزودي الخدمة بالوصول إلى البيانات عند الضرورة.
ولم تعلن ميتا القرار بشكل صريح عبر مؤتمر أو بيان كبير، بل اكتفت بتعديل شروط استخدام التطبيق بهدوء خلال شهر آذار/مارس، مؤكدة أن الرسائل المشفرة بالكامل لن تبقى مدعومة بعد أيار/مايو 2026.
لماذا تراجعت ميتا؟
قالت الشركة إن السبب يعود إلى ضعف إقبال المستخدمين على تفعيل الميزة، باعتبارها كانت اختيارية وليست افتراضية. لكن خبراء في التكنولوجيا يرون أن المسألة أعمق من ذلك، ويربطون القرار بتحولات اقتصادية وتقنية داخل ميتا نفسها، خصوصًا مع سباق الذكاء الاصطناعي.
وترى خبيرة الأمن السيبراني فيكتوريا باينز في حديثها لشبكة "بي بي سي" أن شركات التواصل الاجتماعي تعتمد أساسًا على تحليل تفاعلات المستخدمين ورسائلهم لتطوير الإعلانات الموجهة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل التشفير الكامل عائقًا أمام الوصول إلى بيانات ذات قيمة هائلة.
وتزداد هذه المخاوف بعد تقارير تحدثت عن بدء ميتا جمع بيانات نشاط موظفيها على أجهزة العمل، بهدف استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة.
انقسام حاد بين مؤيدي القرار ومعارضيه
قوبل القرار بترحيب من منظمات حماية الأطفال، التي طالما اعتبرت أن التشفير الكامل يمنع السلطات من اكتشاف حالات الاستغلال والانتهاكات الجنسية، أو تعقب الشبكات الإجرامية.
وقالت منظمات بريطانية معنية بحماية الأطفال إن التقنية كانت تسمح "للجناة بالاختباء بعيدًا عن أعين السلطات"، معتبرة أن إيقافها خطوة إيجابية لحماية القاصرين.
في المقابل، أثار القرار غضب جماعات الدفاع عن الخصوصية، التي اعتبرته "تراجعًا خطيرًا" عن أحد أهم معايير الأمان الرقمي الحديثة. وترى هذه الجماعات أن التشفير الكامل لا يحمي فقط النشطاء والصحفيين، بل يحمي أيضًا الأطفال والمستخدمين العاديين من التجسس والاختراق وسرقة البيانات.
ماذا يعني ذلك لمستخدمي إنستغرام؟
إلغاء التشفير الكامل يعني أن الرسائل المباشرة على إنستغرام أصبحت أقرب إلى البريد الإلكتروني التقليدي من تطبيقات المراسلة الآمنة. ففي التطبيقات المشفرة بالكامل مثل سيغنال وواتس آب، لا تستطيع الشركة نفسها قراءة الرسائل أو الوصول إليها.
أما في حالة إنستغرام بعد التغيير، فسيصبح بالإمكان نظريًا الوصول إلى محتوى الرسائل عند الحاجة القانونية أو التقنية، كما قد تستخدم بعض البيانات لتحسين أنظمة الذكاء الاصطناعي والخدمات الإعلانية.
هل يتغير مستقبل الخصوصية على الإنترنت؟
حتى وقت قريب، كان الاتجاه العالمي يسير نحو تعميم التشفير الكامل بوصفه المعيار الجديد للاتصالات الرقمية. وتستخدم تطبيقات مثل سيغنال وواتسآب وفيسبوك ماسنجر التشفير الكامل بشكل افتراضي. بينما توفره منصات أخرى مثل تلغرام كخيار اختياري، في حين لا تزال بعض المنصات مترددة في اعتماده بشكل شامل.
ويرى مراقبون أن تراجع إنستغرام قد يشجع شركات أخرى على إعادة النظر في سياسات الخصوصية الخاصة بها، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الحكومية من جهة، وسباق الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.
وفي حال استمر هذا الاتجاه، فقد يصبح التشفير الكامل ميزة حصرية لتطبيقات المراسلة المتخصصة، بدلًا من أن يكون قاعدة عامة في عالم التواصل الرقمي.