ميلوني بين ضغط الداخل والتحالف الخارجي.. كيف أعاد اليمين الإيطالي تموضعه؟
14 ابريل 2026
وصلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى السلطة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، على رأس حزب "أخوة إيطاليا"، بوصفها أبرز وجوه اليمين المحافظ في أوروبا في لحظة كان فيها التيار اليميني يتقدم في عدد من العواصم الأوروبية.
ومنذ ذلك الحين، سعت إلى تقديم نفسها كزعيمة قادرة على الجمع بين الخطاب القومي المحافظ والانفتاح على التحالفات الغربية، ولا سيما مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إلا أن هذا الحضور بدأ يواجه اختبارات متزايدة مع تبدل المشهد الأوروبي. ففي بريطانيا، خسر المحافظون السلطة لصالح حزب العمال بقيادة كير ستارمر، المحسوب على يسار الوسط، بعد فوزه على حزب المحافظين الذي قادته حكومات يمينية متعاقبة.
وفي فرنسا، أفرزت الانتخابات التشريعية المبكرة عام 2024 حالة من الاضطراب السياسي، إذ أخفق اليمين المتطرف، ممثلًا بحزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان، في ترجمة تقدمه الانتخابي إلى سلطة حاكمة، رغم حضوره القوي في صناديق الاقتراع، بينما برز تحالف يساري واسع، تمثل في الجبهة الشعبية الجديدة، كقوة رئيسية داخل البرلمان، إلى جانب معسكر الوسط المرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون.
فيما شكّلت التطورات الأخيرة في المجر ضربة إضافية لمعسكر اليمين، بعد خسارة فيكتور أوربان في الانتخابات، التي كانت روما تعدّ نفسها جزءًا من مركز ثقله السياسي في أوروبا.
زاد الموقف تعقيدًا مع الانتقادات العلنية التي وجّهها ترامب إلى بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، على خلفية موقفه الداعي إلى السلام ومعارضته الحروب. وقد وضع هذا التطور اليمين الإيطالي، تحت ضغط شديد.
تحالف خاص مع ترامب
ومن جهة أخرى، بنت ميلوني جزءًا مهمًا من مكانتها الدولية على علاقتها الوثيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكانت تُقدَّم في كثير من الأوساط الغربية بوصفها الحليف الأوروبي الأقرب إلى الرئيس الأميركي، ليس فقط بسبب التقارب الأيديولوجي في ملفات الهجرة والسيادة الوطنية والنزعة المحافظة، بل أيضًا بسبب انسجام الخطاب السياسي بين الطرفين بشأن الهوية والشكوك تجاه بعض توجهات الاتحاد الأوروبي.
غير أن هذه العلاقة تحولت تدريجيًا من مصدر قوة إلى عبء سياسي داخلي مع تصاعد مواقف ترامب المتشددة تجاه أوروبا، سواء في ملف غرينلاند وكندا والرسوم الجمركية أو التصريحات الحادة ضد الاتحاد الأوروبي، وجدت ميلوني نفسها مضطرة إلى الدفاع عن الموقف الأوروبي في مواجهة أقرب حلفائها السياسيين.
ونتيجة لذلك، بدأت رئيسة الوزراء الإيطالية بالفعل النأي بنفسها عن ترامب، خصوصًا بعد الحرب على إيران، في ظل تراجع شعبيته داخل إيطاليا وارتفاع كلفة الحرب الاقتصادية على الداخل الإيطالي، ولا سيما أسعار الطاقة والتضخم.
الفاتيكان والقاعدة الكاثوليكية
زاد الموقف تعقيدًا مع الانتقادات العلنية التي وجّهها ترامب إلى بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، على خلفية موقفه الداعي إلى السلام ومعارضته الحروب. وقد وضع هذا التطور اليمين الإيطالي، تحت ضغط شديد، نظرًا إلى أن جزءًا أساسيًا من قاعدتها الانتخابية يجمع بين النزعة القومية المحافظة والارتباط الوثيق بالتقاليد الكاثوليكية.
في هذا السياق، اتخذت ميلوني موقفًا واضحًا بالدفاع عن البابا، معتبرة أن تصريحات ترامب "غير مقبولة"، ومؤكدة أن البابا، بصفته رأس الكنيسة الكاثوليكية، من الطبيعي أن يدعو إلى السلام ويدين الحرب.
ويحمل هذا الموقف دلالة داخلية واضحة، إذ تدرك ميلوني أهمية الفاتيكان والناخب الكاثوليكي المحافظ، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في عام 2027.
إسرائيل.. القرار المرتبط بالداخل
في موازاة ذلك، لم تغب الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان عن الحسابات الداخلية الإيطالية. فقد فرضت التظاهرات الواسعة التي شهدتها المدن الأوروبية، إلى جانب الانتقادات الأخلاقية والإنسانية المتزايدة، ضغوطًا مباشرة على الحكومة الإيطالية.
واضطرت إيطاليا إلى اتخاذ إجراءات بتعليق اتفاقياتها مع إسرائيل، وجددت اليوم قرار وقف التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي معها. وتشمل الاتفاقية تبادل المعدات العسكرية، والأبحاث التقنية، ودعم الاتفاقيات التجارية في قطاع الدفاع، إلى جانب تسهيل البحث والتطوير العسكري.
وقالت رئيسة الو ميلوني إن الحكومة قررت هذا التعليق في ضوء الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط.
ويأتي القرار رغم أن حكومة ميلوني تُعد واحدة من أقرب الحكومات الأوروبية إلى إسرائيل، إلا أن الأسابيع الأخيرة شهدت انتقادات إيطالية للهجمات الإسرائيلية على لبنان، خصوصًا مع تضرر جنود إيطاليين يعملون ضمن قوات الأمم المتحدة هناك.
لماذا اتخذت ميلوني هذا القرار؟
يرتبط القرار بعدة عوامل داخلية متداخلة.
أولًا، البعد الكاثوليكي، إذ إن استمرار موقف داعم بالكامل لإسرائيل في ظل تصاعد الانتقادات الأخلاقية من الفاتيكان كان سيهدد جزءًا من قاعدتها المحافظة.
ثانيًا، الرسالة السياسية إلى الداخل، ومفادها أن الحكومة لا تتحرك ضمن منطق "الدعم غير المشروط"، بل تراعي الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، وهو ما تحتاجه ميلوني سياسيًا في هذه المرحلة.
ثالثًا، العامل الاقتصادي. فإيطاليا، مثل بقية الدول الأوروبية، تأثرت بارتفاع الأسعار وأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتوتر في المنطقة، ما جعل كلفة استمرار الاصطفاف السياسي مرتفعة داخليًا. وقد دفع ذلك ميلوني إلى تبني خطاب أكثر نقدًا للحرب والدعوة إلى وقفها بدلًا من الاستمرار في تأييدها.