ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

ميلي: مكتبة نسوية في بعلبك تصيغ مفهومًا للعدالة المكانية

1 يوليو 2025
ميلي (الترا صوت)
ميلي (الترا صوت)
آسيا الحراش آسيا الحراش

في منطقة دورس، الواقعة على أطراف مدينة بعلبك اللبنانية، تنبثق مَيْلي (مكتبة ومقهى للنساء) كحالة فريدة في المشهد الثقافي المحلي، ليس فقط لكونها مكتبة نسوية مستقلة في منطقة ريفية، بل لأنها تُعيد تعريف العلاقة بين المرأة والمكان والذاكرة.

وسط بيئةٍ اجتماعيةٍ لطالما خضعت للهيمنة الذكورية في الفضاءات العامّة، وضمن نسيج ثقافي مشبّع بالصور النمطية التي تحصر أدوار النساء وتقلّص من حضورهنّ في الحيز العام، تشُق مَيْلي طريقها في مواجهة تحديات بنيوية متراكمة: من غياب البنية التحتية الثقافية، إلى التهميش المناطقي، مرورًا بالإقصاء الجندري من الفضاء العام.

مَيْلي هي مساحة حيوية تأسست من قناعة راسخة بأن العدالة تبدأ من الجغرافيا، من المكان نفسه، من الحق في الجلوس، والقراءة، والحديث، والتفكير، دون وصاية أو رقابة. من هُنا تستلهم مَيْلي مفهوم "العدالة المكانية"، التي تقوم على فكرة أن لكل فرد الحق في الوصول إلى فضاءات آمنة وتشاركية، وأن المكان ليس حياديًا بل يُنتج علاقاتِ قوةٍ ويعكسها. فعلى مدى عقود كانت الفضاءات العامة في المناطق اللّبنانية – لا سيما في المناطق الأطراف – حكرًا على الرجال، بينما ظلّت النساء محصورات في فضاءات خاصة أو مهمَّشة، كزائرات عابرات أو منتظِرات.

مَيْلي هي مساحة حيوية تأسست من قناعة راسخة بأن العدالة تبدأ من الجغرافيا، من المكان نفسه، من الحق في الجلوس، والقراءة، والحديث، والتفكير، دون وصاية أو رقابة

العدالة المكانية التي تسعى إليها مَيْلي لا تكتفي بتوفير مكان للجلوس أو القراءة، بل تُعنى بإعادة توزيع الحق في الفضاء، وفي الخطاب، وفي الذاكرة. وهي خطوة أولى نحو بناء عدالة أشمل، تمتد من المكان إلى قضايا العدالة الجندرية والبيئية والحيضية والاجتماعية.

في هذا السياق، تتحوّل المكتبة إلى مساحةٍ تُقاوم النسيان والتهميش، وتُقدّم نموذجًا نسويًا مغايرًا حيث يكون للمكان دور تحرّري. إنها بذرة لمشروع ثقافي نسوي أوسع، يعيد رسم العلاقة بين النساء وبيئتهنّ، ويمنحهنّ أدوات الكتابة والكلمة، والتّوثيق والتّأثير.

 

ما بين المقهى والمكتبة.. قلبُ المفاهيم

لطالما شكّلت المقاهي، خصوصًا في المناطق اللّبنانية ذات الطّابع المحافظ، فضاءاتٍ عامّة شبه حصريّة للرّجال. كانت المقاهي، ولا تزال في العديد من الأماكن، المكان الذي يلتقي فيه الرجال للتداول في شؤون الساعة، من السياسة إلى الدين، ومن الرياضة إلى الحياة اليومية. كانت تُعتبر مساحة اجتماعية مفتوحة تُعزز العلاقات والروابط الذكورية وتمنح الرجال موقعًا في الحيز العام، بينما تُقصي النساء أو تحدّ من حضورهن فيه.

في المقابل، لم تُمنح النّساء الحقّ في استخدام هذه المساحات بنفس المنطق. كان مرور المرأة بالمقهى محكومًا بنظرات المجتمع، وبمعايير تضبط وتراقب وتُقيّم سلوكها. ومن هذا الواقع، انبثقت فكرة مَيْلي، لا كمساحة بديلة فحسب، بل كمشروع نقدي يطمح إلى قلب المفاهيم السّائدة.

مَيْلي ليست ردّ فعلٍ على واقعٍ مقصيٍّ، بل هي فعل مقاومةٍ نسويّ يحمل في طيّاته وعيًا سياسيًّا وثقافيًّا. هي جوابٌ على سؤالٍ وجوديٍّ نسويّ: "كيف نبني مكانًا تُصبح فيه النّساء صاحبات الفعل والمبادرة؟ كيف نعيد تصوّر الحيّز العامّ ليصبح شفافًا وعادلًا"؟

في هذا السّياق، تتحوّل مَيْلي من مكتبة تقليديّة إلى مساحةٍ تُعيد تخيّل دور المرأة في الحيّز الثّقافي والاجتماعي. فهي ليست مجرّد موقعٍ للقراءة أو تبادل الكتب، بل فضاءً يعيد الاعتبار لحضور النّساء، ويكسر الصّمت المفروض عليهنّ في الأماكن العامّة.

 

العدالة المكانية كفعل مقاومة

ليست العدالة المكانية مفهومًا عمرانيًّا تقنيًّا وحسب، بل هي أداة تحليل ونقد ومقاومة تُسلّط الضّوء على علاقات السّلطة الّتي تُدار داخل الفضاءات العامّة والخاصّة، وعلى كيفيّة توزيع الموارد، والحق في التّواجد والمشاركة والتّعبير. في هذا الإطار، تُشكّل مكتبة مَيْلي نموذجًا ملموسًا لتجسيد هذا المفهوم، من خلال الممارسة اليوميّة والوجود الفعلي في قلب منطقة غالبًا ما تُصوَّر كمهمشة أو خارج مركز القرار الثقافي.

تتحوّل العدالة المكانية في مَيْلي إلى بوابة لعدالة أوسع: عدالة جندرية تُنصف النساء وتمنحهنّ القدرة على إعادة تعريف أدوارهنّ

تسعى مَيْلي إلى إعادة هندسة العلاقة بين الجسد النسائي والمكان، بما يُنهي عقودًا من التهميش الرمزي والمادي. فالمكان هنا يُفهم كامتداد للحق في الوجود والتفكير. لا تُقدَّم المساحة للنساء كامتياز بل كحق. ولا يُطلب منهن التكيّف مع واقع مفروض، بل يُعرض عليهن أن يكنّ شريكات في صياغة المكان ورسم هويته.

تتحوّل العدالة المكانية في مَيْلي إلى بوابة لعدالة أوسع: عدالة جندرية تُنصف النساء وتمنحهنّ القدرة على إعادة تعريف أدوارهنّ؛ وعدالة بيئية تعترف بحق الجميع في بيئة نظيفة ومستدامة؛ وعدالة حيضيّة تكسر تابوهات الصمت وتُشرّع الحديث حول أجساد النّساء كجزءٍ من الصّحة العامّة لا كجزء من العيب الاجتماعي.

 

المكتبة كأداة للكتابة الذاتية ومساحة حوار حيّ

في عالم يُكتَب فيه تاريخ النّساء غالبًا بأقلام لا تخصّهنّ، تُعيد مَيْلي ترتيب المشهد، لا عبر تقديم الكتب فقط، بل من خلال تمكين النساء من أن يصبحن هنّ من يكتبن ويُوثّقن ويَروين. فالمكتبة هنا أداة تحريريّة تُعيد للنّساء حقّهنّ في اللّغة، والسرد، وفي التعبير عن الذات بحريّة من دون رقابة ثقافيّة أو اجتماعيّة أو مؤسّساتيّة.

ومن أبرز الأنشطة التي تحتضنها مَيْلي هي ورشات الكتابة الإبداعيّة، الّتي تُنظم دوريًّا بهدف تشجيع النّساء، على الكتابة بلغتهنّ الخاصّة دون فلترة لغويّة أو رقابة على ما يجب قوله أو السّكوت عنه.

فهذه الورش لا تهدف إلى صناعة "كاتبات محترفات" بالمعنى التّقليدي، بل إلى تحرير الإمكانيّة الكامنة في كل امرأة بأن تكون صوتًا سرديًّا مستقلًا. في مَيْلي، لا يُنظر إلى القصة كمنتَج أدبي فقط، بل كوثيقة حيّة من واقع تخوض فيه النّساء معارك يوميّة ضدّ التّهميش.

لكنّ طموح مَيْلي لا يتوقف عند حدود النصّ المكتوب، بل يمتد ليشمل مساحات الحوار الحيّ، والنقاش الجماعي، وبناء الفِكر المشترك. فقد نظّمت المكتبة منذ انطلاقتها سلسلة من الجلسات النقاشية المنتظمة التي تعالج قضايا نسوية ومجتمعية ملحّة، تتراوح بين الصحة الجسدية والنفسية، قضايا العدالة الجندرية، الوعي البيئي، وصولًا إلى العدالة الحيضية، وهي من المواضيع المُغيّبة أو المسكوت عنها في المجتمعات الريفية، رغم كونها تمسّ أساسيات الحياة اليومية للنساء.

طموح مَيْلي لا يتوقف عند حدود النصّ المكتوب، بل يمتد ليشمل مساحات الحوار الحيّ، والنقاش الجماعي، وبناء الفِكر المشترك

هذه اللقاءات تُبنى وفق منطق تشاركي، حيث تكون النساء مشاركات أساسيات في طرح الأسئلة وصياغة الأجوبة. هي مساحة إصغاء وتبادل أفقي، تُكسر فيها سلطات الخطاب الأبوي، ويُعاد فيها إنتاج المعرفة من موقع الخبرة النسائية.

من هنا برزت في مَيْلي، مبادرات جديدة تسعى إلى تنويع أدوات التعبير. كان من المُقرر إطلاق نادي قراءة كجزء من برنامج المكتبة، يتيح للنساء من مختلف الأعمار أن يقرأن نصوصًا نقدية وأدبية ويتناقشن حولها، لكن الحرب التي اندلعت في لبنان مؤخرًا أوقفت المشروع مؤقتًا.

اليوم، يعاود فريق مَيْلي العمل على إعادة إطلاق هذا النادي، إلى جانب مشروع جديد يتمثل في نادي السينما، الذي سيقدّم عروضًا لأفلام تُعالج قضايا نسوية واجتماعية وبيئية، يليها حلقات نقاش ضمن فضاء تفاعلي آمن.

بهذا المعنى، تتحوّل مَيْلي إلى بنية ثقافية متعددة الأبعاد: مكتبة، ومنبر، وسينما، ومنتدى، ومختبر كتابة، وأرشيف حيّ للذاكرة. إنها أكثر من مساحة ثقافية؛ هي منصة نسوية شاملة، تُتيح للنساء في بعلبك والجوار أن ينتجن خطابًا لا يشبه إلا أنفسهن.

 

الأرشيف التشاركي والإدارة الأفقية: نحو ذاكرة جماعية نسوية

في مَيْلي، لا يقتصر العمل الثقافي على الحاضر، بل يمتد بجذرٍ عميق إلى الماضي، باعتباره مادة أولية لإعادة بناء المستقبل. فالمكتبة لا تُعنى فقط بالكتب، بل بالذاكرة. وهي تتعامل مع الأرشيف كأداة مقاومة. من هذا المنطلق، تعمل مَيْلي على توثيق قصص النساء وتجاربهن الشخصية.

في مَيْلي، يُبنى أرشيف حيّ ومفتوح، يقوم على ما ترويه النساء أنفسهن، لا على ما يُكتَب عنهن. تُروى القصص بلهجاتها الأصلية، بتعقيداتها، بتقاطعاتها مع القهر والمقاومة، مع الفقد والنجاة، ومع تفاصيل الحياة اليومية التي غالبًا ما يُغفَل عنها في السرديات الكبرى.

بهذه الطريقة، تُعيد مَيْلي رسم الذاكرة الجماعية من وجهة نظر النساء، وتكسر بذلك احتكار المؤسسات الذكورية أو الرسمية لعملية كتابة التاريخ. لكن هذا التوثيق لا ينفصل عن أسلوب العمل داخل مَيْلي، حيث تتجسّد الفلسفة التشاركية لا في مضمون المشروع، بل في آلياته، حيث تتبنى مَيْلي نموذجًا أفقيًا في التنظيم، حيث تُتَّخذ القرارات بشكل جماعي، وتُبنى البرامج والأنشطة بالتشاور الفعلي والمستمر مع النساء اللواتي يرتدن المكان.

في هذا الأفق، تُصبح مَيْلي مختبرًا نسويًّا للذاكرة، وللإنتاج الثقافي التعاوني، ولإعادة التفكير في آليات العمل والتنظيم والمشاركة

هذا النموذج في الإدارة لا يُعزز فقط حسّ المشاركة، بل يُعيد بناء علاقة النساء بالمكان بوصفهن شريكات في صياغته، لا مستهلكات له. 

في هذا الأفق، تُصبح مَيْلي مختبرًا نسويًّا للذاكرة، وللإنتاج الثقافي التعاوني، ولإعادة التفكير في آليات العمل والتنظيم والمشاركة. مساحة تتحدى السرديات الكبرى بأن تصغي إلى التفاصيل الصغيرة، وتؤمن بأن لكل امرأة قصة، ولكل قصة مكان في الحاضر والمستقبل.

 

نساء من بعلبك يُغيّرن المعادلة

في قلب هذا التهميش المزدوج، المناطقي والجندري، يأتي وجود مَيْلي كـفعل مقاومة مزدوج أيضًا: مقاومة للخرائط الثقافية المركزية التي تُقصي الأطراف، ومقاومة للسرديات الذكورية التي تُقصي النساء من الحيّز العام والفعل الثقافي.

إن إنشاء مكتبة نسوية مستقلة في بعلبك هو موقف ثقافي وسياسي يحمل في طيّاته إصرارًا واضحًا على إعادة رسم حدود الثقافة نفسها، مَيْلي تقلب هذه المعادلة بصُنع نموذجها الخاص.

في مَيْلي، نساء يكتبن ويبحثن وينظّمن النقاشات، ويُعدن رسم دور المرأة في الريف كمنتِجة للمعرفة والثقافة.

ما تصنعه مَيْلي في بعلبك ليست مجرّد مساحة ثقافية بديلة، بل هو إعادة توزيع رمزي وحقيقي للحق في الثقافة والتوثيق، وللحق في أن تكون النساء معًا في صُلب الفعل الثقافي، لا في هوامشه.

هكذا، تتحول مَيْلي من مكتبة محلية إلى بيان نسوي ومناطقي شجاع، يُصرّ على أن المركز يمكن أن يكون في أي مكان، طالما كانت الإرادة موجودة، والنساء حاضرات، والمكان منفتحًا على أصوات جديدة، مختلفة، وأصيلة.

كلمات مفتاحية
الدكتور عزمي بشارة

عزمي بشارة يقدم "أرابيكا".. مشروع عربي لتأسيس مرجع معرفي شامل

يطرح مشروع "الموسوعة العربية الشاملة: أرابيكا" نفسه بوصفه محاولة لإعادة بناء المرجعية المعرفية باللغة العربية، لا خارج العصر الرقمي، بل من داخله

المكتبات المستقلة في هونغ كونغ

فضاءات مساءلة للقراء الصينيين: لماذا تخسر هونغ كونغ مكتباتها المستقلة؟

في خضم التحولات السياسية التي تشهدها هونغ كونغ منذ سنوات، لم تعد المكتبات المستقلة مجرد مؤسسات ثقافية صغيرة تعمل على الهامش

القوة الناعمة

العقل السياسي الأميركي.. في نقد القوة الناعمة والهيمنة المعاصرة

في كتاب "القوة الناعمة" لجوزيف صموئيل ناي، طُرح مفهوم القوة الناعمة كوسيلة استراتيجية ناجحة في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في حروبها

خالد خليفة
نصوص

مع خالد خليفة في قهوة مزبوطة

أطلّيتَ من نافذةِ خلودكَ في الغيابِ

نوكيا
تكنولوجيا

من نوكيا إلى الخرائط الورقية.. كيف تحمي التكنولوجيا القديمة مستخدميها؟

لا ينصح الخبراء بالتخلي عن التكنولوجيا الحديثة واستخدام الأجهزة القديمة في كل شيء، لكن "الأحدث" لا يعني دائمًا "الأفضل" من الناحية الأمنية

فضاء
علوم

"أقمار صائدة" وأسلحة مدارية.. أميركا والصين تستعدان لحرب في الفضاء

تتسارع استعدادات الصين وأميركا لاحتمال اندلاع صراع في الفضاء، وتطوير تقنيات قادرة على مراقبة الأقمار الصناعية وملاحقتها وتعطيلها أو حتى أسرها

صورة تعبيرية
مجتمع

مع عودة المدارس.. كيف يستعيد الأطفال نومهم بعد سهر الصيف؟

يحذر أطباء أطفال واختصاصيو نوم من أن الانتقال المفاجئ من جدول صيفي متأخر إلى مواعيد مدرسية صارمة قد يجعل الأيام الأولى من الدراسة أكثر صعوبة