"نفط القرن الحادي والعشرين".. سباق المعادن النادرة يفاقم الفقر والتلوث
2 مايو 2026
حذّرت دراسة جديدة صادرة عن معهد المياه والبيئة والصحة التابع للأمم المتحدة من أن المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والتحول الأخضر، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، أصبحت تمثل "نفط القرن الحادي والعشرين"، وسط سباق عالمي متسارع لاستخراجها، لكنه يخلّف وراءه أزمات بيئية وصحية وإنسانية عميقة في الدول الأكثر هشاشة وفقرًا.
أوضحت الدراسة أن الطلب المتزايد على هذه المعادن، التي تُستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية والرقائق الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يؤدي إلى استنزاف مصادر المياه وتدمير الأنشطة الزراعية وتعريض المجتمعات المحلية لمستويات خطيرة من التلوث بالمعادن الثقيلة، بينما تذهب المكاسب الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى إلى الدول الصناعية والشركات العالمية.
يقدّم العالم التحول الأخضر باعتباره حلًا للاستدامة، لكنه يؤذي مجتمعات أخرى في أماكن بعيدة
وقال كافيه مدني، مدير معهد المياه والبيئة، والحائز على جائزة ستوكهولم للمياه لعام 2026، إن العالم يقدّم التحول الأخضر باعتباره حلًا للاستدامة، لكنه "يؤذي مجتمعات أخرى في أماكن بعيدة"، متسائلًا: "كيف يمكن أن نسمي هذا التحول أخضر أو نظيفًا بينما يدفع الفقراء ثمنه؟".
طفرة الطلب العالمي
وبحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة، ارتفع الطلب العالمي على الليثيوم بنحو 30% خلال عام 2024، فيما تضاعف إنتاج المعادن النادرة ثلاث مرات تقريبًا بين عامي 2010 و2023، مدفوعًا بالانتشار السريع للسيارات الكهربائية وتوسع استخدام الرقائق الإلكترونية المتطورة.
ورغم أن السيارات الكهربائية تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية في أوروبا وأميركا الشمالية، فإن الدراسة تؤكد أن التكلفة البيئية والصحية الحقيقية تُدفع في مناطق التعدين بأفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث تُستخرج المواد الخام اللازمة لهذه الصناعات.
وأشارت الدراسة إلى أن عمليات استخراج المعادن النادرة حول العالم أنتجت خلال عام 2024 نحو 700 مليون طن من النفايات، وهي كمية تكفي لملء عشرات الملايين من شاحنات القمامة.
استنزاف هائل للمياه
ومن أبرز ما كشفته الدراسة أن استخراج 240 ألف طن من الليثيوم خلال عام 2024 استهلك نحو 456 مليار لتر من المياه، في وقت تعاني فيه العديد من مناطق التعدين أصلًا من شح الموارد المائية والجفاف.
ويعتمد استخراج الليثيوم عادة على ضخ كميات ضخمة من المياه المالحة من باطن الأرض ثم تبخيرها، وهي عملية تؤثر بشكل مباشر على المخزون المائي المحلي، بينما تؤدي المعالجة الكيميائية لمعادن أخرى إلى تلويث الأنهار والمياه الجوفية.
الكونغو.. الثروة التي تحولت إلى أزمة
وسلط التقرير الضوء على الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أحد أكبر منتجي الكوبالت في العالم، حيث تسببت عمليات التعدين في تلوث واسع للأنهار المستخدمة للشرب والصيد والري داخل إقليم لوالابا الغني بالمناجم.
ووفق الدراسة، فإن نحو 64% من سكان البلاد كانوا يفتقرون إلى الوصول الأساسي للمياه خلال عام 2024، بينما أبلغ 72% من السكان القريبين من مواقع التعدين عن إصابتهم بأمراض جلدية، في حين تحدثت 56% من النساء والفتيات عن مشكلات صحية نسائية مرتبطة بالتلوث.
وقال الباحث أبراهام نونبوغو، المعد الرئيسي للتقرير، إن بعض المجتمعات باتت تضطر إلى السير لمسافات طويلة لجلب المياه، بينما أُجبرت عائلات أخرى على مغادرة مناطقها والانتقال إلى المدن، ما يدفعها نحو مزيد من الفقر والتهميش.
"مثلث الليثيوم" تحت الضغط
وفي أميركا اللاتينية، تتركز الأنظار على ما يعرف بـ"مثلث الليثيوم"، الممتد عبر الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، والذي يضم أحد أكبر احتياطات الليثيوم في العالم، لكنه يقع أيضًا ضمن أكثر المناطق جفافًا على سطح الأرض.
وفي منطقة أويوني البوليفية، أفادت الدراسة بأن بعض المجتمعات لم تعد قادرة على زراعة الكينوا بصورة مستقرة بسبب تراجع المياه، بينما بدأت البحيرات في صحراء أتاكاما التشيلية بالجفاف، بعدما أصبحت عمليات التعدين تستهلك ما يصل إلى 65% من المياه الإقليمية.
وقال الباحث والناشط خوسيه أيلوين إن أراضي الملح هذه تمثل موطنًا تاريخيًا لعدد من الشعوب الأصلية، مضيفًا أن أنشطتهم الزراعية والرعوية تعرضت لدمار واسع نتيجة الاستنزاف المائي المتواصل.
تحذيرات من تفاقم الأزمة
وحذّر الباحثون من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور خلال العقود المقبلة، إذ من المتوقع أن يرتفع إنتاج الليثيوم تسعة أضعاف بحلول عام 2040، فيما سيتعين مضاعفة إنتاج الكوبالت والنيكل لتحقيق أهداف التحول المناخي العالمية.
ودعت الدراسة إلى فرض معايير دولية ملزمة لتنظيم استخراج المعادن الحيوية، وتشديد الرقابة على النفايات السامة وتلوث المياه، إلى جانب إنشاء أنظمة مستقلة لمراقبة استهلاك المياه ومستويات التلوث بالمعادن الثقيلة.
وأكد معدو التقرير أن التحول الأخضر، بصيغته الحالية، قد يعيد إنتاج النموذج ذاته الذي رافق عصر الوقود الأحفوري، حيث تجني الدول الغنية الفوائد الاقتصادية، بينما تتحمل المجتمعات الفقيرة الأضرار البيئية والاجتماعية.
احتجاجات ومقاومة محلية
ورغم الصورة القاتمة التي رسمها التقرير، أشار باحثون إلى تصاعد حركات الاحتجاج ضد مشاريع التعدين في عدة دول، خاصة في الأرجنتين وتشيلي، حيث واجهت مشاريع استخراج الليثيوم اعتراضات متزايدة من السكان المحليين والمجموعات البيئية.
كما اتخذت إندونيسيا خطوات لحماية مواردها عبر حظر تصدير بعض المواد الخام، بما في ذلك خام النيكل، في محاولة لتعزيز التصنيع المحلي وتقليل الاستنزاف غير المنظم للموارد.
وترى الباحثة ثيا ريوفرانكوس، المتخصصة في قضايا الطاقة والاستخراج، أن الاحتجاجات المناهضة للتعدين أصبحت أكثر انتشارًا وحدة خلال العقدين الماضيين، مضيفة أن المجتمعات المحلية بدأت تجبر الحكومات على التعامل بجدية أكبر مع الكلفة الحقيقية لعمليات الاستخراج.