ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

هل توشك القواميس على الانقراض؟

29 ديسمبر 2025
r48182.webp
لوحة القاموس لستيفن ويلي (The NewYorker)
حسين الوائلي حسين الوائلي

قد يبدو السؤال عن مستقبل القواميس سؤالًا لغويًا تقنيًا، لكنّه في جوهره سؤال ثقافي وسياسي بامتياز. فالقاموس لم يكن يومًا مجرد سجلّ للكلمات، بل مؤسسة تمنح الشرعية للمعنى، وتُحدِّد ما هو «صحيح» وما هو «دون المستوى»، ومن يملك اللغة وما يُستبعد منها.

في هذا المقال المنشور في The New Yorker، يتتبّع الكاتب والناقد الثقافي لويس ميناند تاريخ القواميس الإنجليزية؛ بوصفها ساحات صراع على السُلطة والطبقة والهوية. من القواميس الورقية الثقيلة التي كانت رمزًا للاستقرار، إلى القواميس الرقمية الخفيفة التي تعيش على عدد النقرات، يطرح ميناند سؤالًا مركزيًا: ما إذا كنا قد فقدنا، مع تراجع القاموس، إحدى آخر المرجعيات المشتركة للمعنى؟

_______________________________________________________________

في زمنٍ ما، كان كل بيتٍ من بيوت الطبقة الوسطى يضمّ بيانو وقاموسًا. كانت وظيفة البيانو إتاحة الاستماع إلى الموسيقى قبل أن تصبح أجهزة الفونوغراف متوفرة وميسورة الثمن، ثم تحوّل لاحقًا إلى أداة لتعذيب الصِغار بإجبارهم على تعلّم مهارة لا يُجيدها في الواقع سوى قلّة. أمّا القاموس، فكان الحكم الأخير في الخلافات العائلية حول تهجئة كلمات مثل: camaraderie وsesquipedalian، أو حول النطق الصحيح لكلمة puttee ولم يكن الأب دائمًا على حق. كما كان القاموس يُستخدم أحيانًا في إنجاز الواجبات المدرسية أو أثناء لعب Scrabble.

لم يكن ذلك عالمًا سحيقًا كما قد يبدو اليوم. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، دخل Merriam-Webster’s Collegiate Dictionary قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في The New York Times لمدة مئةٍ وخمسٍ وخمسين أسبوعًا متتاليًا. وقد بيع منه سبعةٌ وخمسون مليون نسخة، وهو رقم لا يسبقه في الولايات المتحدة سوى مبيعات الكتاب المقدّس. أمّا القاموس المطبوع الأكثر مبيعًا في العالم، فهو Xinhua Dictionary الصيني، الذي بيع منه أكثر من خمسمئة مليون نسخة منذ صدوره عام 1953.

كان في تجارة الكلمات مالٌ وفير. ثم جاء الإنترنت، ومعه إجابات جاهزة لكل سؤالٍ لغوي. صار من شبه المستحيل أن تخطئ في تهجئة كلمة أثناء الكتابة على الحاسوب، بل أصبح من الصعب حتى وضع فاصلة في غير موضعها. وإذا صادفت كلمة غير مألوفة، يكفي إدخالها في المتصفح لتحصل على سيلٍ من المعلومات، غالبًا أكثر مما تحتاج. وكما هو حال بقية العالم التماثلي، اضطرت القواميس التقليدية إلى التكيّف أو الاندثار.

كتاب ستيفان فاتسِس Unabridged: The Thrill of (and Threat to) the Modern Dictionary يقدّم سردًا متعاطفًا لما يبدو صراعًا خاسرًا. فاتسِس صحفي نُشرت أعماله في Slate وNPR، وعُرف بتغطيته الرياضية. وفي هذا الكتاب، اندمج داخل مكاتب Merriam-Webster، حيث لعب دور «المعجمي الهاوي»، منقّبًا عن كلمات جديدة ومجرّبًا كتابة تعريفاتها بنفسه، ليكتشف أن المهمة أعقد بكثير مما تبدو، وأن الاستعانة بـChatGPT لا تُنتج تعريفات موثوقة.

وأثناء سرده لتكوينه المعجمي، يتوقف فاتسِس عند الخلافات المزمنة في صناعة القواميس: توصيف الألفاظ العنصرية، إدراج كلمة fuck، البحث عن ضمير محايد للجنس (they)، والسؤال عمّا إذا كانت النماذج اللغوية الكبرى قادرة على صناعة قاموس. حتى الآن، الجواب لا.

من جونسون إلى ويبستر: حين أصبح القاموس مشروع سُلطة

لم تتكوّن سُلطة القاموس من فراغ. ففي عام 1755، نشر صموئيل جونسون قاموسه Dictionary of the English Language، واضعًا الأساس لما سيُعرف لاحقًا بـ«الإنجليزية المعيارية». كان جونسون واعيًا بأن اللغة كائن حيّ، لكنّه رأى في القاموس أداة لتقنين التغيّر وضبطه. وقد منح قاموسه اللغة الإنجليزية مرجعية بدت نهائية، تمتعت بسلطة ثقافية امتدت عقودًا طويلة.

في الولايات المتحدة، انتقلت هذه السُلطة من لندن إلى العالم الجديد على يد نوح ويبستر. ففي American Dictionary of the English Language الصادر عام 1828، لم يكن مشروع ويبستر لغويًا فحسب، بل وطنيًا بامتياز. أضاف كلمات من البيئة الجديدة، و«أمرك» التهجئة فاستبدل defence بـdefense وcentre بـcenter. لم يكن ذلك تبسيطًا إملائيًا فقط، بل إعلان استقلال ثقافي جعل من القاموس أداة هوية.

بهذا المعنى، لم يكن القاموس كتاب كلمات، بل مؤسسة سلطة تقرّر من يتحدث «لغة محترمة» ومن يُستبعد. هذه المرجعية الصلبة هي التي ستدخل لاحقًا قلب العاصفة.

القاموس بوصفه ساحة صراع: معركة الستينيات

بلغ هذا التوتر ذروته في ستينيات القرن العشرين مع صدور Webster’s Third New International Dictionary عام 1961. لم يكن الجدل الذي أثاره تقنيًا، بل تحوّل إلى معركةٍ ثقافية صريحة. فقد تبنّى القاموس منهجًا وصفيًا غير إدانِيّ، ما بدا لكثيرين تخليًا عن دور القاموس بوصفه حارس «اللغة الصحيحة».

ففي American Dictionary of the English Language الصادر عام 1828، لم يكن مشروع ويبستر لغويًا فحسب، بل وطنيًا بامتياز

الهجوم جاء من قلب المؤسسة الثقافية. رأت The New York Times أن القاموس يروّج لفكرة خطيرة مفادها أن «الإنجليزية الجيدة هي ما يحظى بالشعبية»، بينما وصفته The Atlantic بأنه «فضيحة وكارثة». وكانت كلمة ain’t الشرارة التي فجّرت الغضب، لأنها كانت آنذاك مؤشرًا طبقيًا واضحًا.

لم يكن هذا الجدل منفصلًا عن سياقه التاريخي: زمن الحقوق المدنية، وتفكّك سُلطة النخب، وإعادة النظر في الامتياز الطبقي. لم يكن الاعتراض دفاعًا عن قواعد لغوية بقدر ما كان دفاعًا عن نظام رمزي يمنح بعض الفئات سُلطة ومكانة. هكذا تحوّل القاموس إلى مرآة لصراع أعمق حول من يملك اللغة.

من انهيار السُلطة إلى فوضى الانتقاء

اليوم، لم تعد القواميس تمتلك تلك السُلطة. ومع تراجع المرجعية الواحدة، برز مشهد لغوي يتجاور فيه الفائض والارتباك. ويتجلّى ذلك في تعامل القواميس مع المصطلحات الطبيّة، والأسماء التجارية، والتسميات الجغرافية، وكلمات الظهور المفاجئ.

فالمصطلحات الطبية تُعرَّف غالبًا بدقة علمية باردة، لا تلتقط معناها الاجتماعي. يعرّف Merriam-Webster مثلًا Prozac بأنه «مستحضر من الفلوكسيتين»، وهو تعريف صحيح، لكنه لا يعكس ما تمثّله الكلمة في الوعي العام. وتُدرج بعض العلامات التجارية وتُهمل أخرى بلا معيار واضح. حتى الجغرافيا ليست استثناء: تُدرج SoHo وTribeca وتُهمل NoHo أو Dumbo، فيما تمتلك Wikipedia صفحات لكل محطة مترو.

وتزداد المشكلة تعقيدًا مع «كلمات الظهور المفاجئ» —مصطلحات تولد من لحظة سياسية أو ثقافية عابرة، مثل: taco أو quarter zip. تدخل التداول العام بسرعة وتختفي بالسرعة نفسها، وغالبًا قبل أن تلحق بها القواميس. وحين تُدرج أخيرًا، تكون قد فقدت راهنيتها.

لم تعد المشكلة في نقص الكلمات، بل في فائضها، ولم يعد التحدي في التعريف، بل في الاختيار.

اللغة بعد القاموس

العلاقة بين the signifier (الدال) وthe signified (المدلول) اعتباطية، لكن المجتمعات تحتاجها مستقرة. وكان القاموس القديم نقطة ارتكاز لهذا الاستقرار. وقد فقدناها.

تفترض القواميس أن الكلمة هي الوحدة الأساسية للمعنى، لكنها ليست كذلك. الوحدة الأساسية هي الجملة، وأحيانًا العبارة. القاموس يشبه الجدول الدوري: يعرّفك بالعناصر، لكنه لا يعلّمك كيف تُركّبها.

يخلص فاتسِس بأن "القاموس يوحي بالدوام لكن اللغة أشبه بالجيلاتين، زلِقة ومتحوّلة، وتنهار باستمرار على نفسها". ويضيف بأن اللغة هي حوض أسماكنا ونحن من ابتكرناها، وها نحن عالقون داخلها. وإذا تعذّر علينا امتلاك قاموسٍ واحدٍ لكل شيء، فلنمتلك ألف قاموس.

كلمات مفتاحية
مقاطعة "يوروفيجن"

"يوروفيجن 2026": مقاطعة واسعة وانقسام أوروبي غير مسبوق حول مشاركة إسرائيل

تختم النسخة السبعون من مسابقة "يوروفيجن" الغنائية فعالياتها في 16 أيار/مايو في العاصمة النمساوية فيينا، وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الحدث الممتد منذ عام 1956

المؤتمر الصهيوني

كيف تشكّلت "الصهيونية الحديثة": الجذور الدينية والتاريخية للصهيونية المسيحية

يظنّ كثيرون أن الصهيونية المسيحية نتاجٌ متأخر للمشروع الصهيوني، غير أن ملامحها تبلورت مبكرًا وتقاطعت مع تصوّرات تيودور هرتزل

ألتراس الجنوب

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

لم تعد جماعات "الألتراس" مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم

الغش في الباكالوريا
مجتمع

الغش في البكالوريا يؤرق وزارة التعليم بالمغرب.. الذكاء الاصطناعي يدخل على خط المواجهة

يعود ملف الغش في الامتحانات الإشهادية إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل سعي السلطات التربوية إلى تشديد إجراءات المراقبة واعتماد وسائل تكنولوجية متطورة لمواجهة الظاهرة

أيوب بوعدي
رياضة

أيوب بوعدي يختار المغرب رسميًا بعد موافقة فيفا قبل كأس العالم 2026

حسم لاعب الوسط الشاب أيوب بوعدي مستقبله الدولي لصالح منتخب المغرب، بعدما وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم رسميًا على تغيير جنسيته الرياضية

غزة
سياق متصل

تمويل خطة غزة من أموال الفلسطينيين وألبانيز تهاجم منطق الغنائم

تدرس الولايات المتحدة مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من أموال الضرائب التي تحتجزها من السلطة الفلسطينية إلى "مجلس السلام" التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب

برشلونة
رياضة

"زينون الرواقي يحكم كتالونيا".. كيف أنقذ هانزي فليك نادي برشلونة من الإفلاس؟

بعدما أُحرق لسنوات بنيران الديون والتخبط الإداري، ها هو برشلونة ينهض من رماده كطائر العنقاء