هل يمكن أن تكرّس فئة محدودة لثقافة الكراهية على الإنترنت؟
23 سبتمبر 2025
هذه المقالة ترجمة لمقالة Are a few people ruining the internet for the rest of us? التي نُشرت على موقع The Guardian.
_____________________________________________
عندما أتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، غالبًا ما أغادرها مُحبَطًا، مع إحساس بأنّ العالم كله يشتعل وأنّ الناس يمتلئون بالكراهية تجاه بعضهم البعض. لكن عندما أخرج إلى شوارع نيويورك لأحتسي القهوة أو لأقابل صديقًا على الغداء، أشعر بالهدوء التام. وللأسف، يزداد هذا التناقض بين العالم الرقمي وواقعي اليومي حِدةً يومًا بعد يوم.
وبما أنّ عملي يتمحور حول موضوعات مثل الصراع بين الجماعات، والمعلومات المضللة، والتكنولوجيا، وتغيُّر المناخ، فأنا مدرك تمامًا للتحديات الكثيرة التي تواجه البشرية، والتي يُفترض بنا أن نغضب من أجلها. لكن ما يثير الدهشة هو أنّ الناس على الإنترنت يظهرون هذا الغضب تجاه نهاية مسلسل The White Lotus، أو تجاه فضيحة مرتبطة بأحد صانعي المحتوى على يوتيوب.
فكل شيء على الإنترنت إمّا أن يكون الأفضل على الإطلاق أو الأسوأ على الإطلاق، مهما كان تافهًا. لكن هل هذا فعلًا ما نشعر به جميعًا؟ في الحقيقة، لا. تُشير أبحاثنا الأخيرة إلى أنّ ما نراه على الإنترنت ليس سوى صورة مشوّهة تصنعها قِلة قليلة من المستخدمين شديدي النشاط.
في ورقة بحثية نشرتها مؤخرًا مع كلير روبرتسون وكارينا ديل روساريو، وجدنا أدلّة كثيرة تثبت أنّ وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس المجتمع بموضوعية، بل تعمل كمرآةٍ مشوهة للواقع. فتضخّم الأصوات الأكثر صخبًا وتطرّفًا، بينما تكتم الأصوات المعتدلة والمتوازنة والمعقولة بشكل ممل. واتضح أنّ قدرًا كبيرًا من هذا التشويه خارج عن قلّة قليلة من الأصوات مفرطة النشاط. إذ يُنتج 10% فقط من المستخدمين نحو 97% من التغريدات السياسية.
لنتخذ منصة إيلون ماسك، "إكس"، مثالًا. فبالرغم من أنها تضم مئات الملايين من المستخدمين، إلا أنّ نسبة ضئيلة جدًّا منهم هي التي تنتج الغالبية العظمى من المحتوى السياسي. فعلى سبيل المثال، نشر ماسك 1,494 منشورًا خلال أول 15 يومًا من تطبيقه لتخفيضات حكومية تخص ما أسماه بـ "إدارة كفاءة الحكومة" (Doge) في وقت سابق من هذا العام. لقد كان يكتب بلا توقف تقريبًا. وأغلب هذه المنشورات ضمت معلومات مضللة وصلت إلى 221 مليونًا من متابعيه.
وفي الثاني من شباط/فبراير كتب: "هل تعلمون أنّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) استخدمت أموال ضرائبكم في تمويل أبحاث عن الأسلحة البيولوجية، بما فيها كوفيد-19، الذي قتل ملايين الأشخاص؟". إن سلوكه هذا يتماشى مع النمط المعروف لدى ناشري المعلومات المضللة الكبار. إذ يشارك 0.1% فقط من المستخدمين 80% من الأخبار الكاذبة.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك كان خلال الجائحة، حين اتضح أن اثني عشر حسابًا، عُرفوا باسم "دزينة المعلومات المضللة"، كانوا وراء معظم الأكاذيب المتعلقة باللقاحات على "فيسبوك". ونجحت هذه المجموعة الصغيرة شديدة النشاط في خلق انطباع زائف بأن كثيرًا من الناس مترددون في تلقي اللقاح.
ويمكن ملاحظة أنماط مشابهة عبر شبكة الإنترنت كُلها. وبالرغم من أن نسبة ضئيلة جدًّا من المستخدمين قد تنخرط فعلًا في سلوكيات مؤذية، إلا أنهم مسؤولون عن إنتاج قدر هائل من المحتوى العدائي أو المضلل على كل المنصات تقريبًا، من "فيسبوك" إلى "ريديت". أما الغالبية العظمى من الناس فلا ينشرون ولا يجادلون ولا يغذّون "ماكينة الغضب" هذه. لكن لأنّ المستخدمين الفائقين ينشرون باستمرار ووجودهم واضح، فإنهم يهيمنون على الصورة الذهنية التي نكوِّنها عن الإنترنت.
وهذا يعني أنّ المشكلات الناتجة عن ذلك لا تظل محصورة في هذه الفئة الصغيرة، بل إنها تشوّه الطريقة التي يفهم بها بقية الناس العالم. فالإنسان بطبعه يبني نماذج ذهنية عن أفكار وسلوكيات الآخرين، ومن خلالها يفهم الأعراف الاجتماعية ويتنقل وسط الجماعات. لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، يعمل هذا الاختصار الذهني ضدّنا. لأننا لا نحصل على عيّنة تمثل الآراء الحقيقية، بل نُغمر بسيل من المحتوى المتطرّف والمشحون عاطفيًّا.
الغالبية العظمى من الناس فلا ينشرون ولا يجادلون ولا يغذّون "ماكينة الغضب"
وبهذه الطريقة، يُدفع كثير منّا إلى الاعتقاد بأن المجتمع أشد انقسامًا وغضبًا وضلالًا مما هو عليه في الحقيقة. فنظنّ أنّ كل شخص يقف على الطرف الآخر من الفجوة الجيلية، أو الحزب السياسي، أو حتى من مجتمع معجبين أحد المشاهير، هو شخص متطرف أو شرير أو حتى ببساطة غبي. وهكذا صار غذاؤنا المعلوماتي يُصنع على يد شريحةٍ صغيرة من البشر جعلت من النشر المتواصل وظيفتها وهويتها وهوسها.
وهذا التشويه يغذّي ما يُعرف بـ "الجهل الجمعي" أي عندما نُخطئ في إدراك ما يعتقده الآخرون أو ما يفعلونه، فنُعدِّل سلوكنا تبعًا لذلك. فكِّر مثلًا في الناخبين الذين لا يرون سوى أكثر الآراء غضبًا حول قضايا مثل الهجرة أو تغيّر المناخ، فيظنون أنه لا مجال لأي أرضية مشتركة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في المتطرفين أنفسهم، بل في تصميم المنصات والخوارزميات التي تضخّم محتواهم. فهذه الخوارزميات صُممت لتحقيق أكبر قدر من التفاعل، ومن ثم تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للدهشة أو الأكثر إثارة للجدل. فقد تم ضبط النظام لإبراز المستخدمين أصحاب المحتوى الذي يميل إلى تشويه إدراكنا المشترك للواقع.
والمشكلة تتفاقم. تخيّل أنّك جالس في مطعم مزدحم تضطر فيه لرفع صوتك كي تُسمع، ماذا سيحدث؟ بالتأكيد، بعد وقت قليل، سيبدأ الجميع بالصراخ. هذه الديناميكيات نفسها تحدث على الإنترنت. ومن ثم يبالغ الناس في آرائهم أو يكرّرون روايات صادمة من أجل لفت الانتباه والحصول على التصفيق. وحتى الأشخاص غير المتطرفين قد يبدأون بالتصرف بتطرف على الإنترنت لأن هذا ما يُكافَأ الآن.
أما نحن، فأغلبنا لا يقضي وقته على هاتفه في مضايقة أعدائه. فنحن منشغلون بالعمل، وتربية الأبناء، وتمضية الوقت مع الأصدقاء، أو ببساطة بالبحث عن ترفيه بريء على الإنترنت. ومع ذلك، تضيع أصواتنا وسط الضجيج. وكأننا سلّمنا مكبّر الصوت إلى أكثر الناس إزعاجًا، وتركناهم يملون علينا ما يجب أن نؤمن به، وكيف نتصرف.
ومع وجود أكثر من 5 مليارات شخص على وسائل التواصل، فإن هذه التكنولوجيا لن تختفي. لكن الديناميكيات السامّة التي وصفتها ليست قدرًا محتومًا. والخطوة الأولى لتحقيق ذلك، هي أن نرى الوهم بوضوح ونفهم أنّ وراء كل نقاش محتدم، توجد أغلبية صامتة. وأننا كمستخدمين يمكننا استعادة بعض السيطرة، عبر تنظيم المحتوى الذي نراه، وتجنُّب فخاخ الغضب، ورفض إعادة نشر الهراء. فكِّر في الأمر كأنه قرار باتباع نظام غذائي صحي أقل تصنيعًا.
فنحن منشغلون بالعمل، وتربية الأبناء، وتمضية الوقت مع الأصدقاء، أو ببساطة بالبحث عن ترفيه بريء على الإنترنت. ومع ذلك، تضيع أصواتنا وسط الضجيج
في سلسلة تجارب حديثة، دفعنا بضعة دولارات لأشخاص كي يتوقفوا عن متابعة الحسابات السياسية الأكثر إثارة للانقسام على منصة "إكس". وبعد شهر، أفادوا بأنهم شعروا بعداء أقل تجاه المجموعات السياسية الأخرى بنسبة 23%. وكانت تجربتهم إيجابية لدرجة أن نحو نصف المشاركين رفضوا إعادة متابعة تلك الحسابات العدائية بعد انتهاء الدراسة. كما أن من حافظوا على متابعة حسابات إخبارية مُعتَدِلة، واصلوا الإبلاغ عن تراجع إحساس العداء حتى بعد 11 شهرًا كاملة.
من السهل على هذه المنصّات أن تعيد تصميم خوارزمياتها بحيث تتوقف عن ترويج أكثر الأصوات تطرفًا، وتعطي الأولوية للمحتوى الأكثر توازنًا أو دِقة. وهذا بالضبط ما يريده معظم الناس. فالإنترنت أداة قوية ومفيدة في أغلب الأحيان. لكن إن تركناه يعكس فقط تلك المرآة المشوهة التي يصنعها المستخدمون الأكثر تطرفًا، فسندفع جميعًا الثمن.







