هل يمكن للطاقة النظيفة أن تقلل من حدة الصراعات المرتبطة بالنفط في المستقبل؟
8 مارس 2026
تشهد أسواق الطاقة العالمية موجة جديدة من الاضطرابات مع تصاعد التوتر العسكري في الشرق الأوسط، والمتمثل بالعدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، ومن ثم الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
ومع ارتفاع أسعار النفط الخام وإغلاق أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، يطرح خبراء الطاقة سؤالًا متجددًا: هل يمكن للطاقة النظيفة أن تقلل من حدة الصراعات المرتبطة بالنفط في المستقبل؟
تصعيد عسكري يرفع أسعار النفط
منذ أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانها على إيران في 28 شباط/فبراير، وردّت طهران بسلسلة عمليات عسكرية، ومن ضمنها الاعتداء على دول الخليج، ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 13%. ويعود هذا الارتفاع إلى المخاوف المتزايدة بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
تعزز الحرب الحالية الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا لنوع جديد من المنافسة الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة النظيفة وسلاسل توريدها
وضعت إيران مضيق هرمز في صلب استراتيجيتها للرد، إذ عملت على تعطيل حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي الذي يُعد شريانًا رئيسيًا لصادرات النفط العالمية.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من الاستهلاك العالمي اليومي من النفط، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في الاقتصاد العالمي. ويربط المضيق كبار المنتجين في الخليج، مثل السعودية وإيران والعراق والإمارات العربية المتحدة، بأسواق الطاقة العالمية عبر خليج عُمان وبحر العرب.
ومع تعطّل الملاحة أو تهديدها في هذا الممر، ترتفع مخاوف الأسواق بشأن نقص الإمدادات، ما ينعكس سريعًا على الأسعار العالمية.
النفط كسلاح سياسي
استخدام النفط كسلاح في الصراعات الدولية ليس ظاهرة جديدة. فقد شهد العالم أول "صدمة نفطية" كبرى بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حين فرضت منظمة أوبك حظرًا نفطيًا على الدول الداعمة لإسرائيل، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار العالمية.
في ذلك الوقت قال وزير خارجية الجزائر آنذاك عبد العزيز بوتفليقة إن النفط أصبح عاملًا أساسيًا في تطور العلاقات الدولية، لأنه ألقى ضوءًا جديدًا على قضية الشرق الأوسط.
كما أدت الثورة الإيرانية 1979 إلى "الصدمة النفطية الثانية"، وهو ما دفع وزير الصناعة الفرنسي آنذاك أندريه جيرو إلى وصف النفط بأنه "مادة خام تحمل في طياتها أبعادًا دبلوماسية وعسكرية قوية".
سوابق إيرانية في إغلاق المضيق
وحسب تقرير لراديو فرنسا الدولي، شهد مضيق هرمز توترات مشابهة في الماضي، أبرزها خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما غرقت عشرات السفن فيما عُرف بـ"حرب الناقلات". كما تعرضت منشآت نفطية خليجية لهجمات في السنوات الأخيرة، بينها قصف منشأة نفطية سعودية كبرى عام 2019 من قبل الحوثيين المدعومين من إيران.
ومع التصعيد الأخير، استهدفت إيران أيضًا أكبر مصفاة نفط في السعودية إلى جانب منشآت غاز في قطر، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية.
هل الطاقة المتجددة أكثر "سلامًا"؟
وسط هذه التوترات، يرى بعض الخبراء أن التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة قد يقلل من النزاعات المرتبطة بالوقود الأحفوري. فالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بعد تركيبها، أقل عرضة لتقلبات الأسعار أو الصراعات الجيوسياسية المرتبطة بممرات النقل والموارد الطبيعية.
وقد كتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في صحيفة لوموند الفرنسية، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، أن "الطاقة المتجددة هي ضامن السلام في القرن الحادي والعشرين".
اعتماد جديد.. ولكن على الصين
لكن خبراء الطاقة يحذرون من أن الطاقة النظيفة ليست بمنأى عن التوترات الجيوسياسية.
فالعديد من التقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة تعتمد على العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد تمتلك الصين حصة كبيرة من إنتاجها العالمي. وتستخدم هذه المعادن في تصنيع المغناطيسات والمكونات البصرية والمحفزات الكيميائية التي تجعل تقنيات الطاقة النظيفة أكثر كفاءة.
وقد سبق لبكين أن فرضت قيودًا على تصدير هذه المعادن إلى اليابان عام 2011، ما أظهر قدرتها على استخدام هذه الموارد كورقة ضغط في النزاعات الاقتصادية.
بعد أزمة النفط عام 1973، دعا الرئيس الفرنسي آنذاك جورج بومبيدو إلى تقليل استهلاك الطاقة، وهو ما دفع فرنسا لاحقًا إلى إطلاق برنامج واسع للطاقة النووية لتقليل اعتمادها على النفط.
واليوم، بعد نصف قرن تقريبًا، يبدو أن الأزمة الحالية تعزز الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا لنوع جديد من المنافسة الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة النظيفة وسلاسل توريدها. ومع استمرار النفط في لعب دور محوري في الصراعات الدولية، يبدو أن معركة الطاقة في القرن الحادي والعشرين لن تكون فقط حول الآبار والمضائق البحرية، بل أيضًا حول المعادن النادرة والتكنولوجيا التي ستحدد مستقبل الطاقة في العالم.