هل يمكن للنموذج الصيني أن يعيد تشكيل مستقبل الطاقة النووية عالميًا؟
2 أغسطس 2025
في وقتٍ تتسابق فيه دول العالم نحو الطاقة النووية كحلٍّ استراتيجي لمواجهة تحديات المناخ وضمان أمن الطاقة، تبرز الصين كنموذج فريد نجح في كبح جماح التكاليف المتصاعدة لبناء المفاعلات النووية، في حين لا تزال دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا، تعاني من ما يُعرف بـ"لعنة تصاعد التكاليف". فهل يمكن للدول الأخرى أن تتعلم من التجربة الصينية؟ وهل يصبح النموذج الصيني مفتاحًا لتوسيع الطاقة النووية عالميًا دون أن تكون عبئًا اقتصاديًا؟
سباق عالمي نحو الطاقة النووية
التحول العالمي نحو الطاقة النووية لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة. الولايات المتحدة أعلنت عن خطة طموحة لمضاعفة قدرتها النووية أربع مرات بحلول عام 2050، بينما تعهدت أكثر من ثلاثين دولة بزيادة القدرة النووية العالمية ثلاثة أضعاف بحلول منتصف القرن. وبحسب تقرير لمجلة "نيتشر" العلمية، فالصين تسير بخطى ثابتة نحو الريادة، مع أكثر من ثلاثين مفاعلًا قيد الإنشاء أو التخطيط، وهدف معلن بتوسيع قدرتها النووية خمسة أضعاف بحلول عام 2050.
تمثل الطاقة النووية رهانًا كبيرًا، لكنه ليس رهانًا خاسرًا بالضرورة، فتجربة الصين تثبت أن بالإمكان بناء مفاعلات نووية بكفاءة أفضل وبتكلفة معقولة
حتى شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون، غوغل، ومايكروسوفت دخلت على الخط، مستثمرة في الطاقة النووية لتشغيل مراكز البيانات الضخمة وخفض بصمتها الكربونية.
لكن هذا السباق العالمي يواجه عقبة كبيرة: التكلفة. فبناء المفاعلات النووية أصبح أكثر تكلفة مع مرور الوقت، على عكس مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح التي شهدت انخفاضًا مستمرًا في التكاليف، بفعل الإنتاج الضخم والتطور التكنولوجي.
الصين تكسر القاعدة
في حين ارتفعت تكاليف بناء المفاعلات النووية في الولايات المتحدة بنحو عشرة أضعاف منذ الستينات، وتضاعفت تقريبًا في فرنسا، نجحت الصين في خفض هذه التكاليف إلى النصف بحلول أوائل الألفينات، وظلت مستقرة منذ ذلك الحين. ووفقًا لتقرير "نيتشر"، فإن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية متعددة الأبعاد تبنتها الحكومة الصينية على مدى عقود.

حيث بدأت الصين في التسعينات باستيراد مفاعلات أجنبية، لكنها سرعان ما شرعت في تصنيع مكونات بسيطة محليًا، واستخدمت شركاتها الوطنية في أعمال البناء لتقليل التكاليف. ثم انتقلت إلى تصنيع مكونات أكثر تعقيدًا، مثل قلب المفاعل، ووسعت قدرتها الإنتاجية ببناء نحو ثلاثين مفاعلًا باستخدام نماذج محلية. وبعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011، عززت الصين ميزات السلامة بالتعاون مع شركاء دوليين، وطورت نماذج متقدمة خاصة بها.
ونتج عن ذلك مكونات محلية مثل المضخات والرافعات تكلف نصف نظيراتها المستوردة، والمشاريع تُنفذ في وقت قياسي لا يتجاوز خمس إلى ست سنوات، مقارنة بعشر سنوات في دول أخرى.
سياسات صناعية مستقرة
ما يميز النموذج الصيني ليس فقط التصنيع المحلي، بل أيضًا البيئة التنظيمية والسياسات الصناعية التي وفرت استقرارًا طويل الأمد. الحكومة الصينية قدمت تعرفة كهرباء ثابتة، وتمويلًا منخفض الفائدة، وهيكلًا تنظيميًا مركزيًا يضمن التنسيق وتوحيد التصاميم على مستوى الدولة.
السوق الكهربائية الواسعة في الصين وفرت يقينًا في الطلب، مما شجع الاستثمار في سلاسل التوريد والقوى العاملة. الإنتاجية العالية وسرعة التنفيذ ساعدت في تقليص مدة بناء المفاعلات، وهو عامل حاسم في تقليل التكاليف.
دروس للدول الأخرى
وبحسب التقرير، فإن التجربة الصينية قدمت مجموعة من الدروس التي يمكن للدول الأخرى أن تستفيد منها. فلا بد من التزام طويل الأمد بالطاقة النووية، مدعوم بأهداف واضحة للطاقة النظيفة. كذلك يجب توفير بيئة تنظيمية مستقرة، وآليات تمويل مدعومة، وضمانات للأسعار من خلال اتفاقيات شراء الطاقة.
والتعاون الدولي ضروري أيضًا، وذلك لتحديد المكونات التي يمكن تصنيعها محليًا، وتدريب القوى العاملة، وتوحيد الأطر التنظيمية. كما يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تلعب دورًا محوريًا في مشاركة أفضل الممارسات وتسهيل الإجراءات التنظيمية، مع ضمان الاستخدام السلمي للطاقة النووية والتعامل الآمن مع النفايات المشعة.
التحدي الأكبر
رغم التقدم الكبير، تبقى السلامة العامة والثقة المجتمعية من أكبر التحديات التي تواجه الطاقة النووية. فحادثة واحدة بحجم كارثة فوكوشيما قد تعصف بالطموحات النووية في وقت حرج من جهود مكافحة تغير المناخ. لذلك، لا بد من إطار تنظيمي عالمي موحد يضمن أعلى معايير السلامة، ويقلل من عدم اليقين، ويكسب ثقة الجمهور والمستثمرين على حد سواء.
وحسب تقرير "نيتشر"، فالطاقة النووية قد تمثل رهانًا كبيرًا، لكنها ليست بالضرورة رهانًا خاسرًا. تجربة الصين تثبت أن بالإمكان بناء مفاعلات نووية بكفاءة وبتكلفة معقولة، إذا توفرت الإرادة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والتعاون الدولي. في عالم يبحث عن حلول مستدامة لأزمة الطاقة، قد يكون النموذج الصيني هو المفتاح الذي طال انتظاره.






