جاءت تصريحات الرئيس عون في لحظة إقليمية معقدة وواقع داخلي حساس، في ظل تحولات تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط على وقع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
هل ينزلق لبنان إلى التفاوض مع إسرائيل تحت ضغط الحرب؟
10 مارس 2026
عاد ملف المفاوضات مع إسرائيل إلى الواجهة السياسية في لبنان، في ظل الحرب ضد إيران المشتعلة، خاصة بعد تصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، التي فتحت نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة الممكنة بين لبنان وإسرائيل، وحدود ما يمكن أن تذهب إليه الدولة اللبنانية في إدارة الصراع القائم على الحدود الجنوبية، بعد التوغلات الإسرائيلية المتكررة.
خلال العدوان الحالي على لبنان، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل صادقت على السيطرة على مرتفعات إضافية داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة لتعزيز نفوذها على المنطقة. وفي سياق متصل، شدد زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد على أن "القضاء على حزب الله قد يتطلب دخول لبنان"، ما يؤكد أن لبنان أمام سيناريو التوغل البري وإقامة منطقة عازلة.
وبينما يسعى الرئيس عون إلى إدارة الأزمة من مقاربة واقعية تضع الاستقرار والأمن على رأس الأولويات، حرص الرئيس سلام على التأكيد أن أي مسار تفاوضي يجب أن يبقى محكومًا بالثوابت اللبنانية وبالالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
سياق التصريحات… لحظة سياسية وأمنية إقليمية دقيقة
جاءت تصريحات الرئيس جوزاف عون في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وضمن واقع داخلي شديد الحساسية، حيث تشهد المنطقة تحولات استراتيجية عميقة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط على وقع المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتداعيات الحرب التي امتدت إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. ولعل الساحة الأكثر تأثرًا هي الساحة اللبنانية بسبب المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، إضافة إلى الضربات والاعتداءات المتكررة التي طالت المناطق المدنية في الجنوب والعاصمة بيروت، والتهديدات الإسرائيلية المستمرة بضرب البنى التحتية للدولة اللبنانية إذا لم تقم بتنفيذ قراراتها الأخيرة.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة والقاتمة، وأمام المشهد المأساوي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 400 شخص بحسب وزارة الصحة اللبنانية، مع تقديرات بنزوح أكثر من نصف مليون مدني من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، أصبح العبء على الحكومة ثقيلًا لتلبية الحاجات الأساسية في ظل وضع اقتصادي منهار. ويزداد الوضع تعقيدًا مع تزايد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات، وإعادة ترتيب ملفات الحدود والنزاعات الإقليمية.
كما أن استمرار التوتر العسكري على الحدود الجنوبية بعد المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله أعاد الجنوب اللبناني إلى صدارة الاهتمام الدولي، خصوصًا مع المخاوف من توسع الحرب في المنطقة، ما دفع المجتمع الدولي، وخصوصًا الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا، إلى السعي باتجاه مبادرة تقضي بالعودة إلى التفاوض ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة.
من هنا تأتي تصريحات الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي دعا المجتمع الدولي إلى إرساء هدنة شاملة ووقف كل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، مؤكدًا على "ضرورة دعم القوات المسلحة اللبنانية للسيطرة على مناطق التوتر ونزع سلاح حزب الله"، في خطوة تهدف إلى حماية استقرار البلاد ومنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة، وإلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، في إطار محاولة دبلوماسية لإدارة الأزمة وإنقاذ الوضع اللبناني الراهن.
وأشار عون إلى أن "ما حصل في لبنان يمثل محاولة لحشر بلده بين عدوان لا يحترم قوانين الحرب وفريق مسلح خارج عن القانون"، مضيفًا أن "من أطلق الصواريخ سعى إلى شراء سقوط الدولة اللبنانية تحت العدوان والفوضى، ولو بثمن تدمير القرى وسقوط عشرات الآلاف من المواطنين، خدمة لحسابات النظام الإيراني".
الرئيسان عون وسلام... الانفتاح على التفاوض لحماية لبنان
أشار الرئيس جوزاف عون إلى أن لبنان ليس في موقع الساعي إلى الحرب، حين لمح إلى أن "هناك محاولة لحشر لبنان بين عدوان إسرائيلي وفريق مسلح خارج عن الدولة لا يقيم وزنًا لمصلحة البلد". وأكد أن الأولوية اليوم هي حماية البلاد واستقرارها، مشيرًا إلى أنه سبق أن أكد مرارًا أن "لبنان لا يجب أن يخوض حروبًا ليست حروبه". ومن حيث المبدأ، فإن الدولة اللبنانية لا ترفض أي مسار تفاوضي يمكن أن يؤدي إلى وقف آلة القتل والتدمير الإسرائيلية، إضافة إلى حل النزاعات الحدودية أو حتى تخفيف التوتر العسكري.
وبالتالي، فإن هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة انتقال لبنان إلى مرحلة التطبيع مع إسرائيل، بل يندرج في إطار حصر ملف المفاوضات التقنية أو الأمنية بالدولة اللبنانية، التي يمكن أن تعالج ملفات حساسة، أبرزها آليات تثبيت وقف إطلاق النار وترسيم الحدود البرية. وهذا المسار ليس جديدًا، إذ سبق للبنان أن دخل في مسار تفاوضي غير مباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية لترسيم الحدود البحرية، وهو المسار الذي أدى عام 2022 إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية. وقد تم هذا الاتفاق عبر مفاوضات تقنية هدفت إلى حل نزاع محدد يتعلق بالموارد الغازية في شرق المتوسط، من دون أن يعني ذلك اعترافًا سياسيًا أو تطبيعًا للعلاقات.
وتتقاطع تصريحات الرئيس عون مع تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، الذي حرص في حديثه لصحيفة "لوريان لوجور" على وضع إطار واضح لأي نقاش حول المفاوضات مع إسرائيل، قائلًا: "لن يقبل أحد في لبنان السلام وفق الشروط الإسرائيلية، لكن هذا لا يعني أننا لا نريده، فنحن نطالب به منذ 25 عامًا، أي منذ إعلان مبادرة السلام العربية التي أقرت في بيروت". وبالتالي أكد سلام أن موقف لبنان يستند إلى التزامه بقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن 1701، الذي أنهى حرب تموز عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله. وشدد على أن أي مفاوضات يجب أن تهدف إلى تثبيت السيادة اللبنانية ومعالجة القضايا الحدودية العالقة، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لطمأنة الداخل اللبناني بأن الحكومة تعمل ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية المعترف بها دوليًا.
وبالتالي، فإن الحديث اليوم عن مفاوضات مباشرة قد يندرج ضمن الإطار ذاته، كجزء من محاولة خفض احتمال الانزلاق إلى حرب واسعة عبر فتح قنوات سياسية موازية لوقف الأعمال العسكرية ومنع التصعيد، ومعالجة قضايا أمنية وحدودية محددة، منها ترسيم الحدود البرية وتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، ومنع إسرائيل من قضم المزيد من الأراضي أو تكريس أمر واقع باحتلالها لأراضي الجنوب ضمن المنطقة العازلة التي طالما تحدثت عنها. فالمفاوضات المباشرة اليوم تتعلق بالمسار الأمني بالدرجة الأولى، وهذا لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مسار سياسي كامل بين لبنان وإسرائيل، وقد يكون أقرب إلى ما يصفه البعض بـ"تطبيع مقنّع".
ردّ أميركي إسرائيلي على مبادرة التفاوض
كشفت مصادر مطلعة أن إسرائيل رفضت المقترح اللبناني لإجراء مفاوضات مباشرة بين الجانبين بهدف إنهاء الحرب، بحسب ما نقل موقع "أكسيوس". الأميركي.
ونقل الموقع عن مصادر مطلعة أن الحكومة اللبنانية طرحت فكرة إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل بوساطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أمل التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب ويقود إلى تسوية سياسية، غير أن الردين الأميركي والإسرائيلي جاءا "باردين ومشككين إلى حد كبير".
ووفق التقرير، تواصلت الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي مع السفير الأميركي لدى تركيا توماس باراك، الذي شغل سابقًا منصب المبعوث الأميركي إلى لبنان، وطلبت منه التوسط لدى إسرائيل. وأكد هذه الاتصالات مسؤولان أميركي وإسرائيلي، إضافة إلى ثلاثة مصادر مطلعة على تفاصيل المبادرة.
وفي خطوة وصفها "أكسيوس" بأنها غير مسبوقة، اقترحت بيروت عقد محادثات مباشرة وفورية على المستوى الوزاري بين لبنان وإسرائيل في قبرص.
لكن رد المبعوث الأميركي كان حاسمًا، إذ شدد على أن أي نقاش لن يكون مجديًا من دون خطوات جدية لنزع سلاح حزب الله. ونقل الموقع عن مصدر مطلع قوله إن "أي محادثات لن يكون لها معنى إذا لم يكن هناك تحرك حقيقي بشأن سلاح حزب الله".
الضغوط الدولية وإعادة ترتيب الحدود البرية
تعكس هذه التصريحات بطبيعة الحال حجم الضغوط المتزايدة على لبنان، فالدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، ترى أن استقرار الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة شرط أساسي لأمن شرق المتوسط، ولا سيما في ما يتعلق بالاستثمار في موارد الطاقة ومشاريع خطوط أنابيب الغاز البحرية.
كما أن إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى ترسيم الحدود البرية بشكل نهائي، بما يشمل النقاط المتنازع عليها مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إضافة إلى عدد من النقاط الحدودية التي يختلف عليها الطرفان منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وفي هذا الإطار قد تكون المفاوضات المباشرة وسيلة لمعالجة هذه الملفات تحت رعاية دولية.
التحدي الداخلي اللبناني... بين التفاوض والتطبيع
المشكلة الأساسية في لبنان أن أي حديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يصطدم مباشرة بالواقع السياسي اللبناني، ما يثير فورًا حساسية سياسية كبيرة بسبب الخلط بين التفاوض التقني والتطبيع السياسي. فالعديد من القوى اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، ترى أن أي شكل من أشكال التفاوض المباشر قد يشكل مدخلًا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو أمر ترفضه بشكل قاطع. في المقابل ترى قوى سياسية أخرى أن التفاوض حول الملفات الحدودية أو الأمنية لا يعني الاعتراف السياسي بإسرائيل، بل قد يكون ضرورة لحماية لبنان ومنع تكرار الحروب.
لذلك فإن التوجه الرسمي اللبناني بالمضي قدمًا نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل سيضع الدولة أمام معادلة جديدة ودقيقة، إذ تسعى الدولة إلى تثبيت الاستقرار عبر الدبلوماسية، بينما يرى حزب الله أن الردع العسكري هو الضامن الأساسي لمنع الاعتداءات الإسرائيلية. وهذا التباين في المقاربات يضع لبنان أمام تحدٍ مباشر بين متطلبات الاستقرار الدولي والتوازنات السياسية الداخلية.
الواقعية السياسية وإدارة المخاطر
يمكن فهم كلام الرئيس جوزيف عون أيضًا من منطلق الواقعية السياسية التي تحاول إدارة المخاطر بدل مواجهتها، فلبنان يعيش أزمة اقتصادية خانقة وموجة نزوح كبيرة، ويواجه تحديات أمنية كبيرة على حدوده الجنوبية وكذلك في منطقة البقاع، ما يجعل خيار التهدئة أولوية لدى الدولة اللبنانية.
وفي المقابل، يحمل هذا الموقف رسالة سياسية مزدوجة: إلى المجتمع الدولي بأن لبنان منفتح على الحلول الدبلوماسية، وإلى الداخل اللبناني بأن الحكومة تسعى بكل الوسائل المتاحة إلى وقف الحرب والنزف الحاصل والتدمير الممنهج.
لبنان أمام مرحلة مفصلية جديدة
يتضح جليًا أن تصريحات الرئيس جوزاف عون حول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تعكس مرحلة جديدة من النقاش السياسي في لبنان حول كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل وتغليب المصلحة الوطنية في ظل التصعيد الأمني الإقليمي، عبر تقليل المخاطر العسكرية وفتح الباب أمام حلول دبلوماسية للملفات العالقة، وعلى رأسها ملف ترسيم الحدود البرية في ظل الضغوط الدولية.
لكن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بعوامل عدة، أبرزها تطورات الصراع الإقليمي وما ستفرزه التسوية الأميركية مع إيران بعد انتهاء الحرب، وموقف القوى السياسية اللبنانية، ومدى قدرة الدولة على إعادة تثبيت دورها كمرجعية أساسية في إدارة الصراع، وفرض رؤيتها في ملف بالغ الحساسية مثل العلاقة مع إسرائيل، التي يعتبرها كثيرون مدخلًا إلى التطبيع.
وبين الواقعية السياسية والدبلوماسية والمخاوف الشعبية من التطبيع، وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأساسي: هل ستكون المفاوضات وسيلة لتثبيت الاستقرار على الحدود، أم أنها ستفتح بابًا جديدًا لصراع سياسي داخلي حول هوية لبنان ودوره في المنطقة في ظل إعادة رسم التوازنات الإقليمية وهندسة شرق أوسط جديد؟