واشنطن تستهدف "غايسا".. تعرّف إلى إمبراطورية الجيش الكوبي
17 مايو 2026
زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف كوبا، الخميس، للمطالبة بإجراء تغييرات اقتصادية وأمنية كبرى من الحكومة الكوبية.
وجاءت زيارته في وقت أقرت فيه الحكومة الكوبية بنفاد احتياطاتها النفطية، وتزامنت مع مساعي مدعين فدراليين للحصول على لائحة اتهام ضد راؤول كاسترو بتهم تتعلق بتهريب المخدرات وإسقاط طائرات إنسانية عام 1996.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا لتوسيع العقوبات على كوبا واستهداف مجموعة "غايسا".
كما صعّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المنحدر من أصول كوبية، الضغوط على هافانا، واصفًا "غايسا" بأنها أداة تستخدمها النخبة السياسية لقمع السكان بينما تثري نفسها.
نشأة "غايسا" وصعود نفوذها
وُلدت مجموعة "غايسا" من حالة اليأس التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، لكن جذورها تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب فرانك مورا، الذي شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فإن راؤول كاسترو، الذي كان حينها وزيرًا للدفاع، أقنع شقيقه الأكبر الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو بالسماح له بإجراء تغييرات على المصالح التجارية للجيش.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، خسرت كوبا أكبر شريك تجاري وداعم مالي لها. وكان الجيش يعاني من التفكك وصعوبة دفع رواتب جنوده، ما دفع فيدل كاسترو إلى السماح للمؤسسة العسكرية بالسيطرة على قطاعات اقتصادية حكومية مثل السياحة، في محاولة لإنقاذ البلاد.
ونجحت التجربة في بدايتها، إذ أثبت الجيش أنه مدير أعمال أكثر كفاءة من بقية مؤسسات الدولة. وتعافى الاقتصاد بحلول أواخر التسعينيات، مع إعادة استثمار أرباح الجيش داخل البلاد لدعم المستشفيات والتعليم ونظام الحصص الغذائية الحكومية.
وازداد نفوذ "غايسا" بعدما تولى راؤول كاسترو الرئاسة خلفًا لشقيقه فيدل عام 2008، إذ باتت تشرف على قطاعات واسعة من الاقتصاد، الكبيرة منها والصغيرة. كما تمتلك المجموعة شركات في أنغولا تحقق مئات ملايين الدولارات سنويًا من قطاعات التعليم والرعاية الصحية والبناء وغيرها.
ويقول منتقدون إن "غايسا" تحولت اليوم إلى أداة إضافية تستخدمها عائلة كاسترو لترسيخ نفوذها.
ورغم أن المجموعة أصبحت أقوى من أي وقت مضى، فإن معدلات الفقر في الجزيرة لم تكن يومًا بهذا السوء.
مع انهيار الاتحاد السوفييتي، خسرت كوبا أكبر شريك تجاري وداعم مالي لها. وكان الجيش يعاني من التفكك وصعوبة دفع رواتب جنوده، ما دفع فيدل كاسترو إلى السماح للمؤسسة العسكرية بالسيطرة على قطاعات اقتصادية حكومية مثل السياحة
وقال فرانك مورا، بحسب ما نقلت "نيويورك تايمز": "لطالما كان الجيش الجناح الأكثر براغماتية في الثورة، لكن ذلك لا يعني أنه يتبنى الانفتاح السياسي". وأضاف: "هذه المؤسسة مشروع اقتصادي بقدر ما هي مؤسسة عسكرية، ولذلك فهي أقل ميلًا إلى تغيير الوضع القائم ما لم يكن ذلك في مصلحتها".
مالية سرية ونفوذ عائلي
وتُعد الشؤون المالية لمجموعة "غايسا" سرية، ولا تظهر في أي جزء من ميزانية الحكومة، ما يجعل من غير الواضح ما إذا كانت الدولة تحصل على أي جزء من أرباحها.
وعندما أقرت المراقبة العامة للحكومة في مقابلة عام 2024 بأنها لا تملك أي معلومات عن مالية "غايسا"، أُقيلت من منصبها بعد 14 عامًا من الخدمة.
واستخدمت عائلة كاسترو نفوذها داخل "غايسا" للحفاظ على قبضتها المحكمة على الاقتصاد الكوبي الأوسع. ففي عام 2011، وبعد فترة قصيرة من توليه الرئاسة، عيّن راؤول كاسترو صهره الجنرال ألبرتو رودريغيز لوبيز كاليخا مسؤولًا عن إدارة "غايسا".
وبعد وفاة الجنرال رودريغيز عام 2022، عُيّنت شخصية لا تنتمي إلى عائلة كاسترو لقيادة المجموعة، وهي العميدة أنيا غييرمينا لاستريس موريرا، التي فرضت واشنطن عليها عقوبات هذا الشهر.
لكن نجل رئيس "غايسا" السابق وحفيد راؤول كاسترو، راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، يبدو أنه يحتفظ بعلاقات مع العميدة لاستريس، ما يرجح استمرار نفوذ عائلة كاسترو داخل المجموعة.
وتُظهر سجلات الرحلات الجوية أنهما سافرا معًا عام 2024 على متن طائرة خاصة إلى بنما، حيث سجلت "غايسا" عدة شركات للالتفاف على العقوبات الأميركية، بحسب تحقيق أجرته مجموعة من وسائل الإعلام المحلية.
وبرز رودريغيز كاسترو الابن، المعروف بلقب "إل كانغريخو" أي "السلطعون"، لاعبًا رئيسيًا في المحادثات مع واشنطن، إذ التقى فريق ماركو روبيو في وقت سابق من هذا العام.
رهان السياحة والانهيار الاقتصادي
في هذا السياق، وبعد الاتفاق الذي أبرمته كوبا مع إدارة باراك أوباما عام 2015، والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية وخفف قيود السفر، راهنت "غايسا" بقوة على قطاع السياحة، متوقعة تدفقًا كبيرًا للسياح الأميركيين.
وفي البداية نجح الرهان، إذ توافد الأميركيون إلى الجزيرة، ما دفع "غايسا" إلى موجة إنفاق واسعة. وبحلول عام 2025، كانت قد شيدت 121 فندقًا مقارنة بـ56 فندقًا قبل عقد، مضيفة 22 ألف غرفة جديدة.
لكن طفرة السياحة لم تدم طويلًا.
ففي عام 2016، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض العقوبات ومنع السياح الأميركيين من زيارة الجزيرة. ثم تلقى الاقتصاد الكوبي ضربة إضافية عام 2020 مع توقف السياحة بالكامل بسبب جائحة كورونا.
ورغم ذلك، واصلت "غايسا" بناء الفنادق، في وقت أهملت فيه قطاعات أخرى من الاقتصاد.
وانهارت صناعة قصب السكر الكوبية، التي كانت تمول السنوات الأولى للثورة الشيوعية، بعدما تراجع الإنفاق الحكومي على القطاع بشكل حاد. واضطرت كوبا خلال السنوات الأخيرة إلى استيراد السكر للاستهلاك المحلي، بما في ذلك من الولايات المتحدة نفسها.
وبحسب أحدث البيانات الحكومية، أنفقت كوبا عام 2024 نحو 40% من ميزانيتها على السياحة والضيافة، أي ما يقارب 1.5 مليار دولار، فيما بقيت معدلات إشغال الفنادق عند مستوى متدنٍ بلغ نحو 30% فقط خلال ذلك العام.
وبلغت ميزانية السياحة في كوبا عام 2024 نحو 11 ضعفًا لميزانيتي التعليم والرعاية الصحية مجتمعتين، بينما تراجع الإنفاق على التعليم بنسبة 26% مقارنة بعام 2023.
أطماع ترامب في كوبا
ولا يخفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب نواياه بتغيير سياسات النظام الكوبي، وكان قد هدد بأن "كوبا هي التالية" بعد إيران وفنزويلا.
وأكدت "أكسيوس" هذه التهديدات، مشيرة إلى احتمال تكرار تجربة فنزويلا، إذ نقلت عن مسؤول أن جون راتكليف حث المسؤولين الكوبيين على استخلاص العبر من عملية الثالث من كانون الثاني/يناير التي أطاحت بنيكولاس مادورو في فنزويلا.
في المقابل، وصف وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز الإجراءات الأميركية بأنها "عقاب جماعي"، مندّدًا بما اعتبره "نية إبادة جماعية ضد كوبا" من جانب الحكومة الأميركية.
وكتب رودريغيز عبر منصة "إكس": "تعتمد هذه الإجراءات على افتراض أن الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها على العالم، مع تهديد المواطنين والشركات الأجنبية بإجراءات قسرية غير شرعية".
تقرؤون المزيد في: هل تتكرر تجربة فنزويلا في كوبا؟ ترامب يرسل مدير "سي آي إيه" إلى هافانا