ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

واقعة طالبة بني سويف.. أسئلة معلقة حول مصير مخصصات التغذية المدرسية في مصر

16 مايو 2026
واقعة طالبة بني سويف
أعادت واقعة طالبة بني سويف فتح ملف التغذية المدرسية (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

أعادت واقعة طالبة بني سويف، التي أصبحت حديث الرأي العام بعد ظهورها بكيس فول ورغيفين من الخبز داخل مدرستها، ملف التغذية المدرسية إلى واجهة النقاش المجتمعي والبرلماني من جديد، بعدما ظل لسنوات طويلة بعيدًا عن دوائر الاهتمام الإعلامي والطرح الجاد.

ويُعد هذا الملف من القضايا الحيوية ذات البعد الاستراتيجي، لما يمثله من ارتباط مباشر بصحة ملايين الطلاب، وانعكاس ذلك على جودة العملية التعليمية ومستوى التحصيل الدراسي، وصولًا إلى تأثيره المستقبلي على كفاءة العنصر البشري ومخرجات الاقتصاد الوطني.

وخلال الأيام الماضية، شهد الملف حراكًا سياسيًا وبرلمانيًا متصاعدًا، تزامنًا مع تساؤلات واسعة حول مخصصات التغذية المدرسية في الموازنة العامة للدولة، والبالغة 7 مليار جنيه (132.5 مليون دولار)، وآليات توجيهها ومدى وصول أثرها الحقيقي إلى الطلاب.

وقد فجّرت الحادثة، التي وقعت في الأول من أيار/مايو الجاري، حالة من الجدل، بعدما اضطرت الطالبة إلى اصطحاب وجبتها البسيطة المكوّنة من كيس فول ورغيفين من الخبز، قبل أن تتعرض — بحسب المتداول — للسخرية والتوبيخ أمام زملائها من قبل وكيل وزارة التربية والتعليم ببني سويف، محمد الفولي، وهو ما أثار موجة غضب واسعة في الشارع المصري، أعادت هذا الملف الشائك إلى صدارة المشهد العام، ودفعت للمطالبة بإعادة تقييم منظومة التغذية المدرسية بما يحقق العدالة والكرامة الإنسانية للطلاب.

لا تتوافر حتى الآن بيانات تفصيلية واضحة تكشف بصورة دقيقة الجهات التي تستحوذ على المخصصات المالية الموجهة لبرامج التغذية المدرسية، إلا أن هذه الميزانية تتوزع — نظريًا — على سلسلة طويلة من الجهات المرتبطة بالمنظومة

حراك برلماني

لم تمر سوى أقل من 48 ساعة على واقعة طالبة بني سويف، حتى شهد مجلس النواب حراكًا لافتًا أعاد ملف التغذية المدرسية إلى دائرة الضوء من جديد، في ظل تصاعد حالة الجدل المجتمعي بشأن كفاءة المنظومة وآليات تنفيذها على أرض الواقع.

وفي هذا الإطار، تقدم النائب أحمد بلال البرلسي، في الثالث من الشهر الجاري، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس النواب (البرلمان) موجّه لكل من رئيس مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم، متسائلًا عن مخصصات التغذية المدرسية في الموازنة العامة للدولة، وآليات توجيهها وأوجه إنفاقها.

وربط البرلسي بين واقعة طالبة بني سويف وبين ما تعلنه الحكومة سنويًا من أرقام ومخصصات ضخمة لملف التغذية المدرسية، متسائلًا عن غياب الأثر الحقيقي لتلك المنظومة داخل المدارس، في وقت لا تزال فيه الأسر تتحمل عبء توفير الوجبات اليومية لأبنائها رغم التحديات الاقتصادية المتصاعدة، كما اعتبر أن استمرار هذا الوضع يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة التنفيذ والرقابة، ويفتح الباب أمام شبهة إهدار المال العام.

وفي السياق ذاته، تقدم النائب بسام الصواف بطلب إحاطة مماثل، مطالبًا بإعادة تقييم منظومة التغذية المدرسية ومراجعة آليات اختيار القيادات التعليمية، أعقبه طلب ثالث من النائب محمود نجيب مشعل، لتتفق المطالب البرلمانية الثلاثة على ضرورة الكشف عن مصير مخصصات التغذية المدرسية، وأسباب عدم وصولها بصورة عادلة وفعالة إلى جميع الطلاب، وتحديد المسؤولية عن أوجه القصور القائمة في هذا الملف الحيوي.

9 دولار للطالب سنويًا!

في مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، خصصت الحكومة المصرية نحو 7 مليارات جنيه لبرامج التغذية المدرسية ضمن مخصصات التعليم قبل الجامعي، وذلك وفقًا للتصريحات الرسمية التي تشير إلى استفادة ما يقرب من 15 مليون طالب من هذه المنظومة.

وباحتساب متوسط نصيب الطالب، فإن المخصص السنوي للفرد يبلغ نحو 467 جنيهًا فقط، بما يعادل قرابة 9 دولارات، أي بمتوسط يومي لا يتجاوز 2.2 جنيه خلال العام الدراسي الممتد لنحو سبعة أشهر.

وتشمل منظومة التغذية المدرسية عددًا من الوجبات البسيطة، مثل البسكويت المدعّم بالفيتامينات مصحوبًا باللبن أو العصير، وفي بعض الأحيان رغيف خبز مع مثلثات الجبن، حيث يتم توزيعها بمعدل يومين إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا داخل مدارس المرحلة الابتدائية، لتغطي المدارس الحكومية ومدارس التربية الخاصة والمدارس الرياضية.

ووفقًا لبيانات وإحصاءات عام 2023، بلغ عدد المدارس المستفيدة من برامج التغذية في مرحلة رياض الأطفال نحو 18.306 مدارس، فيما وصل عدد المدارس المستفيدة في المرحلة الابتدائية إلى 32.331 مدرسة، مقابل 2.931 مدرسة بالمرحلة الإعدادية، و388 مدرسة بالمرحلة الثانوية العامة، إضافة إلى 436 مدرسة بالتعليم الثانوي الفني، بينما استفادت 1.048 مدرسة من مدارس التربية الخاصة من منظومة التغذية المدرسية.

وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة تساؤلات متزايدة حول مدى كفاية المخصصات الحالية لتحقيق أهداف التغذية المدرسية، وقدرتها على توفير دعم غذائي حقيقي ينعكس بصورة مباشرة على صحة الطلاب ومستوى التحصيل الدراسي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة وارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة.

أين تذهب الموازنة؟

لا تتوافر حتى الآن بيانات تفصيلية واضحة تكشف بصورة دقيقة الجهات التي تستحوذ على المخصصات المالية الموجهة لبرامج التغذية المدرسية، إلا أن هذه الميزانية تتوزع — نظريًا — على سلسلة طويلة من الجهات المرتبطة بالمنظومة، بداية من تصنيع وتجهيز الوجبات، مرورًا بعمليات النقل والتوزيع، والرقابة الصحية والتحاليل، ووصولًا إلى سلاسل الإمداد والتخزين، والتعاقدات مع الشركات والمصانع الموردة، فضلًا عن برامج مكافحة الأنيميا والتقزم بين الأطفال.

ومع تشعب هذه المنظومة وتعدد أوجه الإنفاق داخلها، فضلًا عن محدودية الميزانية المخصصة، يصبح ما يصل فعليًا إلى الطفل في نهاية المطاف محدودًا للغاية، سواء من حيث القيمة الغذائية أو الانتظام في التوزيع. وهو ما يؤكده أسامة، وهو معلم بإحدى المدارس الابتدائية، مشيرًا إلى أن الوجبات المدرسية لا تصل بشكل منتظم، وقد تمر أسابيع دون حصول المدرسة على حصتها المقررة.

وأوضح المعلم، في حديثه لـ "الترا صوت"، أن الوجبات غالبًا ما تقتصر على بسكويت وقطعة حلوى، وربما كوب من اللبن، بينما تغيب الوجبات المتكاملة القادرة على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية للأطفال، ورغم محدودية هذه الوجبات، فإنها تمثل بالنسبة لكثير من أبناء الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل دعمًا يوميًا لا يمكن الاستهانة به، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

وأضاف أن بعض المدارس، خصوصًا الواقعة في المناطق النائية، لا تصلها الوجبات المدرسية بانتظام نتيجة صعوبات النقل ومشكلات التخزين والسلامة الغذائية، وهو ما يجعل وصول الدعم الغذائي إلى تلك المناطق تحديًا مستمرًا، ويحرم آلاف الطلاب من حقهم في وجبة مدرسية تمثل بالنسبة للبعض الحد الأدنى من الدعم والرعاية داخل اليوم الدراسي.

تداعيات كارثية

لم تعد الوجبات المدرسية تُعامل باعتبارها مسألة هامشية أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها داخل المنظومة التعليمية، بل تحولت — في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها ملايين الأسر المصرية — إلى احتياج يومي أساسي بالنسبة لكثير من الأطفال، خاصة أبناء الأسر البسيطة التي تعجز عن توفير "لانش بوكس" يومي يضمن لأطفالها الحد الأدنى من التغذية داخل اليوم الدراسي، على عكس ما تستطيع توفيره الأسر الأكثر قدرة.

ومع اتساع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية، بات اعتماد قطاع واسع من الطلاب على الوجبات المدرسية أكبر من أي وقت مضى، ليس فقط لسد الجوع، بل كوسيلة تمنح الطفل فرصة أفضل على التركيز والاستمرار في الدراسة دون شعور بالنقص مقارنة بأقرانه.

ويحذر مختصون من أن غياب هذه الوجبات أو تدني قيمتها الغذائية لا ينعكس فقط على صحة الأطفال في الحاضر، بل يمتد أثره إلى مستقبل رأس المال البشري في مصر، فالأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المرتبطة بنقص العناصر الغذائية، وعلى رأسها التقزم، الذي بلغت نسبة انتشاره في مصر نحو 12.8% وفق نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021.

كما تعكس المؤشرات الدولية حجم التحدي الغذائي الذي تواجهه البلاد؛ إذ جاءت مصر في المرتبة 77 عالميًا من أصل 113 دولة في مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022، وفي المرتبة 57 من بين 121 دولة ضمن مؤشر الجوع العالمي، بينما تصنفها منظمة “اليونيسيف” ضمن 36 دولة تتركز فيها النسبة الأكبر من أعباء سوء التغذية عالميًا.

ولا تتوقف التداعيات عند الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى العملية التعليمية ذاتها، فالطفل الجائع أو الذي يعاني من نقص التغذية يكون أقل قدرة على التركيز والاستيعاب، وأكثر عرضة للغياب والتسرب من التعليم، في وقت تؤكد فيه العديد من الدراسات الدولية وجود علاقة مباشرة بين جودة التغذية المدرسية وتحسن مستويات التحصيل الدراسي.

أما اقتصاديًا، فإن آثار سوء التغذية تتجاوز سنوات الدراسة لتنعكس مستقبلًا على انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وتراجع جودة العنصر البشري، بما يحمله ذلك من أعباء طويلة المدى على الاقتصاد الوطني.

قضية قومية

وفي هذا السياق، يرى الحقوقي عامر شحاتة أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بوجود مخصصات مالية للتغذية المدرسية من عدمه، مشيرًا إلى أن موازنة هذا العام شهدت زيادة مقارنة بالعام الماضي، بما يعكس اهتمامًا رسميًا بهذا الملف، إلا أن الأزمة — بحسب قوله — تكمن في أن تلك المخصصات لا تزال غير كافية، إلى جانب ما يثار بشأن جودة الإنفاق وآليات الرقابة وعدالة التوزيع، فضلًا عن القيمة الغذائية الفعلية للوجبات المقدمة للأطفال.

ويضيف شحاتة في حديثه لـ"الترا صوت" أن مسؤولية الدولة عن تغذية ملايين الأطفال تجعل القضية تتجاوز كونها مجرد بند في الموازنة العامة، لتتحول إلى قضية ترتبط بالأمن الصحي والتعليمي للمجتمع بأكمله، ليبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل الهدف هو مجرد توزيع وجبات مدرسية، أم الاستثمار الحقيقي في بناء جيل صحي قادر على التعلم والإنتاج؟

كلمات مفتاحية
أساتذة الجامعات المصرية

رواتب متدنية وأوضاع موجعة.. مأساة أن تكون أستاذًا جامعيًا في مصر

يجد أستاذ الجامعة في مصر نفسه مهمشًا، مثقلًا بالأعباء، مطاردًا بضغوط معيشية لا تليق بعلمه ولا بدوره ولا بسنوات عمره

لبنان

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

فرنسا

صخب المونديال في فرنسا: المشجعون العرب يعلنون الوفاء للجذور

لا يحتاج العربي في فرنسا أن يكون متابعًا شغوفًا بكرة القدم، حتى يعرف أن طبول الاحتفالات ستقرع قريبًا، فكل المظاهر الاحتفالية سيلحظها طاغية، كما ستتزيّن واجهات المحلات والمقاهي بالأعلام الوطنية

كأس العالم 2026
رياضة

إيران تهاجم الفيفا وأميركا: نحن المنتخب الأكثر تعرضًا للظلم في كأس العالم

تبدو بعثة إيران في كأس العالم 2026 مقتنعة بأن ما تواجهه من صعوبات في التنقل والإقامة والتأشيرات يضعها في وضع مختلف عن بقية المنتخبات المشاركة

كأس العالم 2026
رياضة

من تينيسي إلى فرجينيا الغربية.. كيف غيّرت معسكرات المونديال حياة مدن أميركية صغيرة؟

نجحت كأس العالم في تحويل مدن هادئة إلى مركز اهتمام عالمي، وربط مجتمعات محلية صغيرة بأكبر نجوم اللعبة، وترك ذكريات قد تبقى حاضرة لسنوات طويلة.

صبري لموشي
رياضة

بعد مباراة واحدة فقط.. لماذا قررت تونس التضحية بلموشي؟

قبل مواجهة السويد بيوم واحد فقط، بدا لموشي متفائلًا خلال حديثه لوسائل الإعلام، مؤكدًا رغبته في الاستمتاع بتجربة كأس العالم رغم الضغوط الكبيرة المحيطة بالمنتخب

مدينة الأبيض
قول

عروس الرمال "الأُبَيِّض".. مسيرة مدينة سودانية مع الحروب

على الرغم من وداعتها وبساطتها، وهي تستلقي وسط تلالها الرملية التي زيّنتها عروسًا في بوادي كردفان منذ أمد طويل، إلا أن مدينة الأُبَيِّض عاشت عبر تاريخها قسوة الحرب والاقتتال والحصار أكثر من مرة