وهم السيطرة.. هل نكدس السلع لضمان المستقبل المجهول؟
20 مارس 2026
هناك نمط شراء ثابت يظهر ويتنامى مع الحروب والأزمات، ألا وهو تكديس السلع العينية، مثل ماذا؟ مثل الذهب، إذ يصبح بمثابة شريان حياة مالي للطبقات المتوسطة والدنيا، وملاذًا يحافظ على المدخرات كما هي، بغض النظر عن تدهور سعر العملة، حدث ذلك عدة مرات، آخرها كان في فترة كورونا، وتكرر مرةً أخرى مع التدهور المستمر لقيمة الريال الإيراني إبان العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران.
فبمجرد بدء الحديث عن حرب محتملة، أقبل الإيرانيون على شراء العملات الذهبية الرسمية المعروفة باسم "بهار آزادي" بسرعة رهيبة، كما بلغت أسعار الذهب والدولار مستويات غير مسبوقة في التاريخ، حيث تجاوز سعر الدولار حاجز الـ 1,500,000 ريال إيراني، بينما قفز سعر عملة "إمامي" الذهبية إلى أرقام فلكية تخطت حاجز الـ 182 مليون تومان إيراني، ورغم ذلك يستمر شراء الأوزان متناهية الصغر.
عندما تكون حلول الأزمات السياسية والاقتصادية، مثل الحروب، خارج سيطرة الفرد، يصبح الشراء المفرط للسلع وتكديسها بديلًا نفسيًا يمنحه شعورًا مؤقتًا ومريحًا بالقدرة على التحكم في مصيره وحماية أسرته من المجهول
فالمواطن الإيراني المذعور يقتطع من دخله المتآكل أصلًا لشراء جرام واحد فقط من الذهب، ليس بغرض الثراء، بل كإجراء نفسي يمنحه شعورًا بأنه يحمي قيمة جهده من التبخر أو الانهيار الجيوسياسي، فإلى أي مدى يمثل تكديس الذهب محاولة نفسية للسيطرة على واقع يخرج عن السيطرة؟
مسير أم مخير
لفهم هذا السلوك، يجب أن ننظر إلى تركيبة الإنسان نفسه، فالإنسان مسير في العديد من الأشياء، تحكمه قوى أكبر منه، وتتحكم في عمله وحياته، ورغم ذلك، يميل إلى المبالغة في تقدير قدرته على التحكم في الأحداث أو التأثير في نتائجها، خاصة في المواقف التي تحكمها الصدفة البحتة أو القوى الخارجة عن إرادته، وعندما تتلاشى قدرة الفرد على التنبؤ بالمستقبل، يولد ذلك مستويات حادة من القلق والكبت والخوف والشعور بانعدام الحيلة، ولذلك يوهم نفسه ويجبر نفسه على الشعور بالسيطرة، كآلية دفاع نفسية، كيف ذلك؟ عن طريق الشراء والتكديس.
هذا ليس رأينا بالطبع، لكنه نتيجة دراسة نشرتها عالمة النفس الأميركية إيلين لانغر عام 1975، فعندما تكون حلول الأزمات السياسية والاقتصادية، مثل الحروب، خارج سيطرة الفرد، يصبح الشراء المفرط للسلع وتكديسها بديلًا نفسيًا يمنحه شعورًا مؤقتًا ومريحًا بالقدرة على التحكم في مصيره وحماية أسرته من المجهول، كما يتجاوز بذلك أي شعور بالندم، باعتبار أنه عمل اللي عليه، عن طريق تحمل التكلفة المالية الفورية للشراء الزائد، والتي تكون بديلًا عن التكلفة النفسية للوم الذات مستقبلًا.
ثم يمتد هذا الدافع النفسي ليتقاطع مع الذاكرة الجمعية، مما يخلق بيئة خصبة لاقتصاد الندرة، ففي منطقة الشرق الأوسط عمومًا، تستمد ممارسات التخزين جذورها من صدمات تاريخية وحروب لم ولن تنتهي، هذا الموروث يجعل من تكديس السلع غير القابلة للتلف، كالدقيق والسكر والزيوت، درعًا واقيًا.
فالمواطن الشرق أوسطي، العربي منه تحديدًا، يتصرف بناءً على ذاكرة تاريخية امتدت به منذ الحرب العالمية الأولى، ثم أخذت تلاعبه على الشناكل: النكبة، العدوان الثلاثي، النكسة، غزو الجولان، اجتياح لبنان، حرب الخليج، غزة، وحتى حرب الابادة التي تشنها اسرائيل حاليًا على فلسطين، ولبنان وسوريا، تلك الذاكرة تخبره أن انقطاع سلاسل التوريد يعني نقصًا حتميًا في السلع وارتفاعًا جنونيًا في الأسعار، ولذلك يلجأ إلى السيطرة على كل ما تطاله يده، في محاولة لا شعورية لترويض هذا الواقع المنفلت.
ودون أن يعي، أن محاولاته تلك تزيد الطين بللًا، فالتخزين غير العقلاني يسهم في تغذية التضخم الوهمي، حيث ترتفع الأسعار تلقائيًا، ليس بسبب نقص حقيقي في الإنتاج، بل كنتيجة طبيعية لزيادة الطلب، واختناق سلاسل التوريد، فهل هو ملام على ذلك؟ بالطبع لا، خاصة وأن الأمر أكبر منه فعلًا، وصحيح ألا وجود للنجاة الفردية، والنجاة بمعناها الحقيقي، أي الخلاص من هذا التتري الجاثم على صدورنا جميعًا والمسمى بإسرائيل، لن تكون إلا جماعية، ولكن كيف ستقنع كل شخص على حدة أن يفكر بعقلانية؟
كيف ستقنع رجلًا من غزة، لم يأكل منذ أيام لا هو ولا أسرته، إن بقي منهم أحد، أن يتخلى عن كيلو الأرز الوحيد في المتجر وأن يكتفي بنصفه فقط خوفًا من التضخم؟ كيف ستقنع لبنانيًا من الجنوب، يقصف حيه يوميًا، ولا يستطيع النوم من أصوات القصف والمسيرات أن يفكر في الاقتصاد العالمي، ومضيق هرمز، وتضخم أسعار الشحن، ونقص إمدادات الأسمدة النيتروجينية، هل هذا منطقي بالنسبة لك؟
خوارزميات الخوف
ليست منطقية بالطبع، وما يزيد الطين بللاً أن هذا الخوف الفطري وجد في العصر الرقمي محفزًا يضاعف من سرعته وتأثيره، ألا وهو، وصدق أو لا تصدق، منصات السوشيال ميديا، لم تندهش؟ معك كامل الحق، فكل شيء في هذا العالم أصبح أكثر جذرية بفضل السوشيال ميديا، فالمؤمن بالخرافات أصبح أكثر إيمانًا بها بفعل السوشيال ميديا، والقارئ النهم، أصبح أكثر نهمًا بفضل السوشيال ميديا، وبالتالي وجدت الديناميكيات النفسية والاقتصادية في العصر الرقمي محفزًا يضاعف من سرعتها وتأثيرها.
ففي مسح شمل إقليم كردستان العراق تبين وجود ارتباط قوي بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وسلوك الشراء المذعور، حيث أقر 42.1% من المشاركين بتورطهم في هذا السلوك، منهم 86.3% يعتمدون على فيسبوك كمصدر أساسي للمعلومات، ويقضون ساعات طويلة في تصفحها يوميًا، يراقبون انهيار العملة لحظة بلحظة، ويتعرضون لشائعات وأقاويل وتحليلات تنتشر كالنار في الهشيم عن ندرة السلع واقتراب المجاعة.
ومع وجود الوحدة 8200 في الجيش الاسرائيلي، المتخصصة في الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ونشر الشائعات، ووجود آلاف الحسابات الوهمية على السوشيال ميديا، فربما تكون لنظرية المؤامرة وجاهة ما هنا.
هذه الدفقات المعلوماتية المكثفة تقلص المدة الزمنية المتاحة للتفكير العقلاني، وتحول المخاوف الافتراضية إلى طوابير حقيقية أمام المتاجر والمصارف في غضون ساعات قليلة، محولة الندرة المتخيلة إلى ندرة فعلية في الأسواق، فمتى فُقدت الثقة في العالم، بكل مؤسساته وقادته ورجاله وشواربه، سينكفئ المواطنون فورًا نحو غرائز البقاء، محولين أرغفة الخبز وقطع الذهب إلى متاريس نفسية.