يختارها الآباء ونحملها للأبد.. ما الذي تخبرنا به أسماؤنا؟
7 سبتمبر 2025
ترتبط بنا أسماؤنا كالظل إلى الأبد، تحدد هويتنا أحيانًا، وتخفيها أحيانًا أخرى، تظهر معانيها ومدلولاتها رغبات آبائنا برسم مستقبل يحمل من اسمنا نصيبًا لنا، وتأتي هذه الأسماء كأول صفات غير بيولوجية تلاصقنا منذ بداية حياتنا، وتستمر معنا إلى عوالم وحيوات مختلفة.
رحلة اختيار الاسم للمولود قد تنتهي قبل أن يصبح الشخص نطفة، فأول طفل سيتم إنجابه سيحمل اسم جده أو أحد أفراد العائلة لا محالة، بحسب بعض التقاليد العربية، وقد تطول إلى بعد قدوم المولود بفترة، لكنها تبقى رحلة إلزامية وبديهية وحتى أزلية، بإعطاء الطفل اسم منذ لحظة ولادته، وهو ما تنص عليه الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، المتمثل بحق التسمية.
تأتي الأسماء كأول صفات غير بيولوجية تلاصقنا منذ بداية حياتنا، وتستمر معنا إلى عوالم وحيوات مختلفة
استطلع "الترا صوت" تجارب بعض الأشخاص باختيار أسماء أولادهم خلال السنوات الأخيرة، وقصص أسمائهم وإذا ما كان لها ارتباطات محددة، أم أنها كانت مجرد أسماء أطلقت عليهم بالصدفة، أو بالتوارث، أو حتى بغير تعمّد، مثل "أسماني والدي على اسم طفلة رجل آخر لا يعرفه، كان يسبقه بالدور عند موظف الأحوال المدنية"، أو "لم يتكلف والدي عناء تسميتي حتى بالصدفة، سميت على اسم أخي المتوفى الذي يكبرني بسنتين، بقيت على اسمه وسنّه كذلك"، وأخرى تقول "أسماني والدي مسك الختام، كإعلان منه أنني آخر العنقود، لكنه أنجب بعدي أختين لي".
أسماء لرغبات الأهل
تغني فيروز، "أسامينا.. شو تعبوا أهالينا تا لاقوها، وشو افتكروا فينا…. عنينا هن أسامينا"، ولأن الأسماء تطلق عادة من قبل الأهل، فتشكل لهم دوافع معينة ومعان أرادوا تخليدها عبر تسمية أبنائهم، وليس بعيدًا عن فيروز وأغانيها، فإن اسم هذه الأيقونة الفنية عبر إلى عدة أجيال، والعديد من الأسماء الواردة في أغانيها، حملها أصحاب النصيب من التسمية، فكم من "يارا الجدايلها شقر"، وكم من "ريمة الحندقة"، وكم من علياء "يخرب بيت عيونك شو حلوين".
ومن جملة ما استطلع "الترا صوت"، فإن بعض الأسماء جاءت تيمنًا بشخصيات أحبها الأهل وردت في روايات أدبية أو أصدقاء أو ممثلين وغيرهم، أو ظروف سفر وحنين واشتياق عاشها الآباء، أو رؤى في المنام أرشدتهم لاختيار أسماء أبنائهم، يحاول بعض الآباء اختيار أسماء ذات لفظ سهل ولا يتغير نطقها بتغير اللغات، أو أسماء عصرية وحديثة "لا تعقد الأبناء مستقبلًا"، وتحمل معان جميلة.
الهوية بين الظهور والإخفاء
وفي سياق أسباب ودوافع الأهل باختيار أسماء لأبنائهم دون غيرها والتي ناقشها "الترا صوت"، فإن الهوية العرقية أو الدينية أو الثقافية تأتي على رأس القائمة، وفي بعض الأحيان تكون الحالة على العكس تمامًا، فبدلًا من "التفاخر" أو الحفاظ على الهوية، هناك تعمّد باختيار أسماء تضيّع هوية الفرد الأصلية.
وبهذا الخصوص، تقول إحدى السيدات إنها اختارت اسمي "آدم وسارة" لطفليها، حتى لا يتعرضا لأي نوع من الاستهزاء أو العنصرية أو الكراهية بحقهم، بحكم أنهم عرب يقيمون في دول أجنبية، وهو ما يفعله العديد من اللاجئين والمهاجرين في الدول الغربية، منعًا لأي اعتداء على أساس هويتهم العربية أو الإسلامية مثلًا.
وعلى العكس من ذلك، يحافظ بعض المغتربين على هوياتهم، فهناك من العرب الكثير ممن ما زال يسمي أسماء عربية البتّة، أو ذات رمزية دينية مثل المسلمين الأتراك في أوروبا، أو ذات دلالة عرقية مثل الأكراد والشركس وغيرهم.
ارتباطات تاريخية وآنية
إلى جانب رغبة الأهل باختيار أسماء جذابة وذات معان لافتة، فإن دوافع التسمية قد ترتبط أيضًا بوقع الاسم خلال فترة زمنية معينة، فتقول نعمت الخضر الأستاذة بالأدب العربي لـ"الترا صوت"، "إن الأسماء ارتبطت في كثير من الأحيان بأحداث آنية أو تاريخية، بشخصيات توارث الناس تسمية أبنائهم على أساسها، فكل خليل أبو إبراهيم وكل إبراهيم أبو خليل، أو يوسف أبو يعقوب أو محمد أبو القاسم، وذلك لارتباطها بأسماء أنبياء وأديان، فأبناء بعض الديانات يهتمّون بتسمية أولادهم أسماء دينية ينتمون إليها".
وهناك مدلولات أخرى لها علاقة بإحياء ذكرى صحابة أو ملوك أو قبائل على سبيل المثال تسمية دليمي تخليدًا لقبيلة الدليم، أو خالد مرتبطًا بوليد، أو نسبة لحكام وشخصيات قيادية أو شعراء أو فلاسفة، وتشرح الخضر في سياق حديثها، أن سبب بعض التسميات يأتي متزامنًا مع وقائع معينة، مثل اسم "اتحاد"، "ثورة"، وغيرها من الأسماء التي درجت خلال فترة الوحدة العربية بين مصر وسوريا، أو اسم "فاتح" الذي ارتبط بأحداث تاريخية، وتضيف أن "هناك أسماء يطلقها الأهالي على أبنائهم أو الأشخاص على أنفسهم، وتكون ذات غايات سياسية أو مدلولات حربية، رغبة بإظهار القوة والقيادة، مثل أسماء أبو القعقاع أو أبو حذيفة وغيرها من الأسماء".
كما لفتت إلى توجّه بعض شعراء المهجر والأدباء إلى تسمية أبنائهم أسماء ذات ارتباطات بالأرض أو البحر أو السفر، إذ يختار الكتّاب أسماء أبطال رواياتهم وقصائدهم بعناية وتماهٍ مع طبيعة الشخصية وصفاتها وبيئتها، وحتى بعض المغتربين ممن سمّى أسماء مدن أو بلدان، لاسيما الفلسطينيين والسوريين ومن كان له حكاية من الاغتراب عن الأهل والديار.