"يوم بيتر هوجار": عن يومٍ في حياةٍ هاربةٍ من اعتياديّتها
28 مايو 2026
نحبّ، نحن عشّاق السينما، مهووسيها، "السينيفيليّين" كما نُسمّى بلمسة حداثة، أن نعود لغرامنا عندما يهدأ الكون قليلًا، عندما يخلد الصخب إلى نعاسٍ ناعم، ويترك العالم وكاميراته زحامُ المهرجانات وأعراس البذخ؛ موائدُ وأزياءٌ ورهانات أسبقيةٍ من حسبٍ ونسب بين أبناء عائلات السينما، أبناء الأصول، وبين محدثي النعمة السينمائية، بين المرتزقة، المعتاشين على فتات موائد الإبداع، والشهوانيين والعشّاق. نعود نحن، من انتمت حياتنا لشاشةٍ عملاقة، وفرجةٍ بين غرباء، وتواطؤٍ على ارتكاب الجمال في الظلام، ومغادرة القاعة وحيدين، متسلّلين حتى لا يفضح أحد وجوهنا المبلّلة بالسعادة، أو الدموع بعد انطفاء الحكاية. نعود لأفلامنا.
خلُص مهرجان كان، وخلُصت، ولو مؤقتًا، المشاهدات والمراجعات التي تمت على عجل، ومثل الكل أجدني أعود للبحث عن جواهر منسية، نُفضت عن كتف الوقت، في زحام العروض وبهرجها. أبحث عن تلك الأفلام التي يسمّونها، بحق: (Hidden Gems)، تلك الدرر المغمورة التي لا تنتظر سوى تنقيب الخبراء. ليس فيلمنا اليوم من تلك فحسب، لكنه يجسّدها بعمق.
درّة بمئة انكسار ولون
حصل فيلم "يوم بيتر هوجار" (Peter Hujar's Day) على تقديره النقدي من مهرجانٍ لطالما سعى لمكافأة التجريب والمغايرة. عُرض الفيلم في مهرجان "صندانس 2025" السينمائي، ونال حفاوةً تليق به، لكنه، لأسباب تحتاج تأنّيًا، لم يأخذ ما يستحقه من شهرة.
عن حكايةٍ تطوف في رحم الكون
للفيلم، كما لكل عملٍ عظيم، حكايةٌ خارجه. في صباحٍ من شتاء 1974، كانت الكاتبة الأميركية ليندا روزنكرانتس قد بدأت مشروعًا كتابيًا مغايرًا: لا يشبه اليوميات بشكلها التقليدي، لكنه يخلق من رحمها. قرّرت روزنكرانتس أن تطلب من أصدقائها الفنانين في نيويورك أن يستعيدوا، أمام جهاز تسجيل، تفاصيل اليوم الذي سبق التسجيل.
لم تكن المرّة الأولى التي تراهن فيها على كون المسجّل الصوتي وسيطًا أدبيًا؛ إذ كانت قد فعلت ذلك قبل ست سنوات، عندما كتبت روايتها التجريبية (Talk، 1968)، التي بنتها كاملة على ذات التكنيك: حوارات مسجّلة لأصدقاء. دخلت بعدها في رهانٍ مبكّر على كون الإصغاء شكلًا سرديًا هو الآخر. الآن، هنا، في لقائها بالفوتوغرافي بيتر هوجار، كانت تطمح إلى كتابٍ أوسع، فسيفساء من الأيام العادية في حياة فنّاني المدينة.
الكتاب الذي حلمت به روزنكرانتس لم يكتمل. الأشرطة الصوتية ضاعت مع السنين. مات هوجار في 1987 من مضاعفات "الإيدز"، تاركًا وراءه أرشيفًا انتقل لاحقًا إلى مكتبة مورغان في نيويورك
في 19 كانون الأول/ديسمبر 1974، جاء بيتر هوجار إلى شقّتها في الشارع الرابع والتسعين بمانهاتن. ضغطت زر التسجيل. كان هوجار حينها في الأربعين من عمره، مصوّرًا وُلد في ترنتون بنيوجيرسي ونشأ في بيتٍ مضطرب، وتخلّى عن مسيرةٍ ناجحة في تصوير الموضة ليستقر في مانهاتن، في "الإيست فيليج"، البديل الأكثر فقرًا وخشونة وحرية من "غرينتش فيليج"، بعد أن تركته بوهيمية الستينيات حيًّا مكلفًا ومحترمًا. فصار هوجار، كما الحي، أحد الأصوات المركزية في المشهد الفني للعالم السفلي لنيويورك. يلتقط ببورتريهاته بالأبيض والأسود وجوه سوزان سونتاغ وفران ليبوفيتز وويليام بوروز وديفاين وكاندي دارلينغ — لكنه لم يكن قد نال بعد الاعتراف الذي يستحقه، ولن يناله، كالعادة، إلا بعد الموت.
الكتاب الذي حلمت به روزنكرانتس لم يكتمل. الأشرطة الصوتية ضاعت مع السنين. مات هوجار في 1987 من مضاعفات "الإيدز"، تاركًا وراءه أرشيفًا انتقل لاحقًا إلى مكتبة مورغان في نيويورك. لكن نسخة مطبوعة من حوار ذلك اليوم بقيت محفوظة عند روزنكرانتس نحو خمسة وأربعين عامًا. في 2018، أقامت مكتبة مورغان معرضًا لأعمال هوجار أعاد إشعال الاهتمام به، وكان قد بدأ يُعاد اكتشافه بوصفه أيقونة بصرية للذاكرة الأميركية قبل وأثناء مرضه بالإيدز. تبرّعت روزنكرانتس بنصّها المطبوع للأرشيف، وفي 2021 صدر النص كتابًا صغيرًا عن دار (Magic Hour Press) بعنوانٍ بسيط "يوم بيتر هوجار" (Peter Hujar's Day)، مع مقدمة ستيفن كوخ، مدير تركة هوجار.
في تلك السنة نفسها تقريبًا، كان المخرج إيرا ساكس في باريس يصوّر فيلمه (Passages). دخل صدفة إلى مكتبة اسمها (Les Mots à la Bouche)، فوقعت عينه على الكتاب. اشتراه، قرأه، وجاءته الفكرة، كما يصف "في ومضة". سأل بن ويشاو، بطل (Passages)، إن كان مستعدًا لتجسيد هوجار. كان ويشاو يملك في بيته صورة ذاتية لهوجار من 1980، يجلس فيها عاريًا على كرسي. فوافق.
الجرأة الفنية للفيلم جاءت من عوامل عديدة: من الحوارات وقدرة الصوت على الرواية، وأيضًا من عبقرية الممثلين الفاتنين بن ويشاو وريبيكا هول، ومن تحدٍّ جمالي أن يصبح الكادر وحده تلك البورتريهات التي لم نشاهدها لهوجار
هكذا عاد بن ويشاو وريبيكا هول إلى تجسيد ذلك اليوم البعيد: امرأة تُصغي، وكل كلمة يقولها هوجار تعيدها إلى ذاتها، بميلانكوليا آسرة، فتلعن — هذا ما أدركته — أن يكون لتفاصيلنا اليومية معنى، فأنا أغار منك، أمضي نهاري في فعل اللاشيء.
أن نهرب من المتوقع إلى العادي المبهر
الجرأة الفنية للفيلم جاءت من عوامل عديدة: من الحوارات وقدرة الصوت على الرواية، وأيضًا من عبقرية الممثلين الفاتنين بن ويشاو وريبيكا هول، ومن تحدٍّ جمالي أن يصبح الكادر وحده تلك البورتريهات التي لم نشاهدها لهوجار. ففي خيارٍ آسر وراديكالي أيضًا، يقرر المخرج أن يصنع فيلمًا عن مصوّر فوتوغرافي دون أن يمرّر له صورة واحدة من أعماله داخل الفيلم. المونتاج أيضًا كان من أكثر عناصر الفيلم جاذبية وحِرفة، إذ تنتقل من الشخصية ذاتها وتعود إليها بقطع "قافز" كما لو أنه الزمن. لعلّ هذا ليس مصادفة. المخرج إيرا ساكس (مواليد ممفيس، 1965)، واحد من أبرز المؤلفين والمخرجين المستقلين في السينما الأميركية المعاصرة، درس نظرية السينما في جامعة ييل قبل أن تشكّله إقامة باريسية أدخلته إلى الموجة الجديدة الفرنسية وسينما المؤلفين الأوروبيين: فاسبيندر، أكرمان، رومير.
تفاصيل يومية تبحث عن المعنى
يبدو الفيلم بسيطًا. كل ما هنالك، في ذلك البيت "كموقع تصوير وحيد"، هو رجل يحكي يومه. لا حبكة للفيلم، لا تصاعد درامي، لا تنوير معرفي يغيّر مسار حياتك. سبع وسبعون دقيقة من الدفق اليومي، المغمّس بالاعتيادية، المنقوع بالروتين، وبالملل ربما، بالثرثرة والتفاصيل التي لا تزيد من قيمة الحياة لكنها تنقذها ولو قليلًا من الهراء. كل ذلك يتحول بفعل الإصغاء إلى شيء يشبه السيرة الذاتية للروح. هكذا، غير ذلك الحزن الشجي، غير الحنين لألق نيويوركي استحقّته تلك المدينة المنقلبة على ذاتها، يتركنا "يوم بيتر هوجار" نحن "السينيفيليين" مبلّلين بصمتٍ غريب، نحاول أن نتذكر ماذا فعلنا أمس. فالفيلم يحكي حكاية بسيطة، نعم، لكنه يفتح بابًا متسعًا للسؤال: ماذا لو كان معنى أن نعيش هو فقط أن يكون هناك من يُصغي إلينا حين نروي يومنا؟