6 استراتيجيات تساعد الشباب على التخلص من التسويف
18 يوليو 2026
يبدأ التسويف غالبًا بمهمة تبدو ثقيلة أو مملة: امتحان يقترب موعده، طلب وظيفة لم يُرسل بعد، أو مشروع شخصي ينتظر منذ أسابيع. ويقرر الشاب بتأجيل المهمة قليلًا، ثم ينشغل بأعمال أقل أهمية أو بتصفح الهاتف، قبل أن يجد نفسه تحت ضغط الموعد النهائي.
ورغم أن التسويف يُفسَّر عادة بأنه كسل أو ضعف في الإرادة، فإن أبحاثًا نفسية تشير إلى أنه يرتبط في كثير من الحالات بطريقة تعامل الإنسان مع المشاعر السلبية التي تثيرها المهمة، مثل القلق والملل والخوف من الفشل.
وقالت أستاذة علم النفس في جامعة دورهام البريطانية، فوشيا سيرويس، في مقابلة مع الجمعية الأميركية لعلم النفس، إن التسويف يمثل مشكلة في تنظيم المشاعر أكثر من كونه مشكلة في إدارة الوقت، والشخص يؤجل المهمة التي تسبب له الانزعاج ليشعر براحة مؤقتة، لكنه يواجه لاحقًا ضغطًا أكبر وشعورًا بالذنب وتراجعًا في الوقت المتاح للإنجاز.
وتقدم نتائج الدراسات مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي يستطيع الشباب تطبيقها تدريجيًا لتقليل التأجيل واستعادة السيطرة على وقتهم.
توصل تحليل إحصائي لعدد من الدراسات، إلى وجود علاقة إيجابية واضحة بين الاستخدام الإدماني للهواتف والتسويف
اكتشاف السبب الحقيقي للتأجيل
تبدأ مواجهة التسويف بفهم السبب الذي يدفع الشخص إلى تجنب المهمة. فقد يكون السبب الخوف من الفشل، أو السعي إلى الكمال، أو الشعور بأن المهمة معقدة، أو عدم معرفة نقطة البداية.
وينصح مركز ماكغرو للتعليم والتعلم في جامعة برينستون الطلاب بتحديد الوظيفة التي يؤديها التسويف في حياتهم، لأن إيجاد حل فعال يتطلب أولًا معرفة السبب الحقيقي للتأجيل. وذلك لأن بعض الطلاب يؤجلون الدراسة لحماية صورتهم عن قدراتهم، وإذا كانت النتيجة ضعيفة، يستطيعون إرجاعها إلى ضيق الوقت بدلًا من الاعتراف بالخوف من عدم النجاح.
ويمكن للشاب أن يسأل نفسه قبل تأجيل المهمة: "ما الشعور الذي أحاول تجنبه الآن؟". وقد تكون الإجابة: "أخشى ألا يكون عملي جيدًا"، أو "لا أفهم المطلوب"، أو "أشعر بالملل".
يساعد تحديد الشعور على اختيار الحل المناسب. وإذا كان السبب غموض المهمة، يمكن طلب توضيح أو البحث عن نموذج سابق. وإذا كان السبب الخوف من الفشل، يمكن البدء بمسودة أولية غير مكتملة بدل انتظار إنتاج عمل مثالي من المحاولة الأولى.
وأظهرت دراسة أن تدريب الأشخاص على تحمل المشاعر المزعجة وتعديلها ساعد في تقليل التسويف، ما يدعم فكرة أن التعامل مع الانزعاج أهم من محاولة تجاهله.
تقسيم المهمة إلى خطوات صغيرة
كلما ظهرت المهمة في صورة مشروع ضخم، زادت احتمالات الهروب منها. لذلك يساعد تقسيمها إلى أجزاء واضحة يمكن إنجاز كل منها خلال فترة قصيرة.
وبدل كتابة مهمة عامة مثل "إنجاز البحث"، يمكن تحويلها إلى خطوات تشمل اختيار الموضوع، والعثور على ثلاثة مصادر، وقراءة المادة الأولى، وكتابة المقدمة، ثم إعداد المسودة والمراجعة.
ويوصي مركز ماكغرو في جامعة برينستون بوضع أهداف صغيرة ومعقولة، محذرًا من أن قوائم المهام الطويلة وغير الواقعية قد تزيد القلق وتدفع الشخص إلى مزيد من التجنب.
كما اختبرت دراسة أعدها باحثون في جامعة "كولورادو بولدر" الأميركية فاعلية وضع أهداف محددة في مواجهة التسويف الأكاديمي. وأظهرت النتائج أن صياغة أهداف واضحة وقابلة للقياس يمكن أن تساعد الطلاب على تقليل التأجيل وتحسين التقدم نحو إنجاز واجباتهم.
ويمكن تطبيق ما يعرف بقاعدة الدقائق العشر، من خلال الالتزام بالعمل على المهمة لمدة عشر دقائق فقط.
تحديد موعد ومكان واضحين للبداية
تُبقي عبارات مثل "سأدرس لاحقًا" أو "سأنجز المهمة غدًا" القرار مفتوحًا، ما يجعل تأجيله سهلًا عند ظهور نشاط أكثر متعة. أما الخطة المحددة فتربط المهمة بوقت ومكان وسلوك واضح.
ويمكن أن تكون الخطة على النحو الآتي: "عند الساعة الخامسة مساءً سأجلس إلى المكتب وأقرأ خمس صفحات"، أو "بعد الإفطار سأفتح طلب الوظيفة وأملأ القسم الأول".
وضع مواعيد مرحلية والاستعانة بالآخرين
يمنح الموعد النهائي البعيد شعورًا زائفًا بوجود وقت طويل، قبل أن تتراكم المهمة في الأيام الأخيرة. لذلك يفيد تقسيم المشروع إلى مواعيد داخلية قصيرة.
فإذا كان موعد التسليم بعد أسبوعين، يمكن تحديد ثلاثة أيام لجمع المعلومات، ويومين لكتابة المسودة، ثم موعد مستقل للمراجعة والتعديل.
وأظهرت دراسة نشرت في دورية "سايكولوجيكال ساينس" أن الأشخاص يدركون مشكلة ضعف ضبط النفس ويحاولون مواجهتها بفرض مواعيد على أنفسهم. وساعدت هذه المواعيد على تقليل التسويف، لكن المواعيد الخارجية، ولا سيما الموزعة بصورة منتظمة، كانت أكثر فاعلية في تحسين الأداء.
ويمكن للشباب تقوية المواعيد الذاتية من خلال إضافة مساءلة خارجية، مثل إرسال الجزء الأول من المشروع إلى صديق في موعد محدد، أو الاتفاق مع زميل على جلسة دراسة، أو إبلاغ المشرف بموعد تسليم المسودة.
إبعاد الهاتف وتقليل المشتتات
لا يعتمد التركيز على قوة الإرادة وحدها، خصوصًا عندما تكون الإشعارات ومنصات التواصل والمقاطع القصيرة على بعد لمسة واحدة.
وأظهرت دراسة شملت طلابًا جامعيين ونُشرت عام 2025 أن الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية ارتبط بارتفاع مستويات التسويف الأكاديمي، وأن ضعف ضبط النفس والثقة بالقدرة على إنجاز المهام أديا دورًا في هذه العلاقة.
كما توصل تحليل إحصائي لعدد من الدراسات، إلى وجود علاقة إيجابية واضحة بين الاستخدام الإدماني للهواتف والتسويف، مع اختلاف حجم العلاقة باختلاف جودة الدراسات والعينات المستخدمة.
ووجدت الدراسة أن التشتت الناتج عن الهواتف يمكن أن يتنبأ بارتفاع التسويف الأكاديمي، الذي يرتبط بدوره بزيادة القلق الدراسي لدى الطلاب.
وبناءً على هذه النتائج، يمكن تصميم بيئة تجعل الوصول إلى المشتتات أكثر صعوبة، عبر وضع الهاتف في غرفة أخرى، وإيقاف الإشعارات، واستخدام وضع "عدم الإزعاج"، وإغلاق منصات التواصل خلال جلسة العمل.
استبدال جلد الذات بالتعامل المتوازن
بعد فترة من التأجيل، يبدأ كثيرون في توجيه انتقادات قاسية لأنفسهم، مثل "أنا فاشل" أو "لن أستطيع التغيير". لكن هذا الشعور قد يزيد المشاعر السلبية التي دفعت الشخص إلى تجنب المهمة أساسًا.
وأجرت الباحثة فوشيا سيرويس دراسة شملت أربع عينات، ضمت طلابًا جامعيين وأفرادًا من المجتمع.
ووجدت الدراسة أن الأشخاص الأكثر ميلًا إلى التسويف سجلوا مستويات أقل من التعاطف مع الذات ومستويات أعلى من التوتر. وأشارت النتائج إلى أن ضعف التعاطف مع الذات يمكن أن يفسر جزءًا من العلاقة بين التسويف والضغط النفسي.
لذلك، يمكن استبدال عبارة "أضعت اليوم كله ولا فائدة مني" بعبارة أكثر عملية، مثل: "تأخرت اليوم، لكن ما تزال أمامي فرصة لإنجاز خطوة صغيرة".
ولا يبدأ التخلص من التسويف بانتظار الحافز أو الوصول إلى الحالة النفسية المثالية، بل بتقليل صعوبة الخطوة الأولى.
تقرؤون المزيد في: الذكاء الاصطناعي يدخل عالم الفن.. إبداع جديد أم تهديد للفنانين؟