60 يومًا من الصمت.. لماذا تغيب المحاسبة العلنية للمعتدين على جامعة دمشق؟
29 ديسمبر 2025
ستون يومًا مرّت دون أن تُعلن أية جهة رسمية سورية، الأحكام الصادرة بحق المُعتدين على عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق، رغم تأكيد وسائل الإعلام الرسمية القبض عليهم وإحالتهم إلى المحامي العام لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم. الإشكالية في عدم إيضاح مآلات هذه القضية وغيرها من حوادث الاعتداء على الكوادر التعليمية، التي أصبحت جزءًا من العنف المتنامي في البلاد عمومًا، يُؤكد ما بات معروفًا، عن غياب المحاسبة الحقيقية والعلنية، والتعاطي بشيء من التساهل تجاه مُختلف الانتهاكات.
اليوم، يبدو كل شيء هادئًا في الكُلية، غير أن المساس بالهيبة الأكاديمية لا يمكن أن يصبح مألوفًا أبدًا، فما يرويه طلاب وأعضاء في الهيئة التدريسية شاهدوا المهاجمين المسلحين يقتحمون مكتب العمادة، يشبه فيلمًا سينمائيًا، فالمعتدون استخدموا أسـلحة فردية وقنابل يدوية، وحطّموا بعض الأثاث المكتبي، كما ألقوا قنبلة يدوية داخل مكتب العميد، شاءت الأقدار ألا تنفجر.
ومن ثم نتج عن الاعتداء إصابات متفاوتة لحقت بعدد من كوادر الكلية، من بينهم العميد الدكتور علي اللحام، ورئيسة قسم اللغة الإنكليزية الدكتورة أماني فاخرة، والدكتورة ليدا يوسف من قسم المكتبات، بالإضافة إلى أستاذ الأدب العربي الدكتور أحمد الخضر. وعلى ما يرويه الشهود تدخلت قوى الأمن الجامعي والشرطة، واعتقلت المهاجمين، الذين اعترفوا لاحقًا بوجود خلاف أكاديمي بين شقيقتهم والمشرف على رسالتها لنيل درجة الدكتوراه.
في تحليلٍ لتداعيات الحادثة، ترى الدكتورة في كلية الآداب هناء برقاوي أن الاعتداء يكشف عن عجزٍ خطير في إدارة الخلاف عند الطالبة وذويها، حيث حلت القوة المادية المسلحة محل لغة الحوار الفكري التي يفترض أن تكون السائدة في الوسط الأكاديمي. هذا الاستبدال، وفقًا لبرقاوي، يشير إلى تدهورٍ في القيم الجامعية الأساسية المفترض غرسها في الطلاب. وتضيف أن الهجوم يمثل انتهاكًا صريحًا للمكانة الاعتبارية للعمادة، بوصفها "عمود الكلية الأساسي وأحد الرموز الرئيسية للسلطة العلمية والتنظيمية، مما يجعله محاولةً واضحةً للنيل من هيبة العلم والعلماء أنفسهم".
اليوم، يبدو كل شيء هادئًا في الكُلية، غير أن المساس بالهيبة الأكاديمية لا يمكن أن يصبح مألوفًا أبدًا
وذهبت برقاوي في حديثها لـ "ألترا صوت" إلى أن الاعتداء "يمثل تهديدًا وجوديًا لدور الجامعة، كونه يخلق بيئة طاردة للإبداع"، وعلى حدّ تعبيرها "لا يمكن للمفكر أو المبدع أن ينتج في بيئة يخشى فيها على سلامته الشخصية. الإبداع يتطلب حرية مطلقة وشعورًا بـالأمان التام"، كما أنه "يسهم في تحويل الحرم الجامعي لساحة صراعٍ، فعندما يُكسر حاجز الحرمة الجامعية، تتحوّل الجامعة من مختبر للأفكار إلى ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات الفردية أو الجماعية"، مؤكدة أن الاعتداء مر وتم اعتقال مرتكبيه، لكن "الأذى النفسي الذي خلفه على عمادة الكلية يحتاج شهورًا لتتم معالجته وتناسيه، خاصة أنه كان مفاجئًا ومباغتًا وقاسيًا جدًا".
لكن هل ما زال مفهوم "الحرم الجامعي" مُصانًا بعد ما حدث؟
تجيب برقاوي "الحرم الجامعي مُصان دائمًا، وحقيقة هي حادثة فردية لن تتكرر مستقبلًا، طالما سيتم اتخاذ اجراءات قاسية بحق مرتكبيها، لكن مع ذلك لا بد من وجود إجراءات رادعة وثقافة طلابية واعية تدرك أن الجامعة خط أحمر، وهو ما يحتاج إلى مراجعة وتفعيل في الوقت الراهن، إضافة الى ما تقوم به العمادة ممثلة بالعميد ونائبيه وجميع الإداريين، بالاستماع الفاعل لكل من لديه شكوى ليتم حلها بالحوار وليس بأساليب أخرى".
بالعودة إلى ضرورة المحاسبة تقول برقاوي "حماية الحرم الجامعي ليست مسؤولية أمنية فقط، بل هي مسؤولية أخلاقية واجتماعية تقع على عاتق المجتمع ككل لاستعادة قُدسية العلم، مع الإشارة إلى أن العمل في الكلية عاد لطبيعته، وننتظر المحاكمة العادلة للفاعلين، وهو مطلب حق ليعرف كل شخص تسول له نفسه العمل بمنطق القوة، بدلًا من منطق الحوار، أنه مخطئ، وأن الحوار العقلاني هو الحل الأمثل لمواجهة المشكلات مهما كانت، طالما أن البيئة مشجعة لهكذا حلول".
من وجهة نظر قانونية، يصنِّف المحامي محمد حاتم مشرف الحادثة بأنها "اعتداء على موظف حكومي أثناء تأدية عمله"، لكنّه يرى أن تداعياتها تتجاوز هذا الإطار. فالاعتداء، برأيه "يهدّد صميم الحرية الأكاديمية أي حق الأساتذة في التدريس والبحث دون خوف، وحق الطلاب في التعلّم في بيئة آمنة". ويحذّر من أن الحادثة قد تزرع الخوف وتجعل من متابعة التحصيل العلمي مخاطرة.
ويعزو مشرف، في حديثه لـ "ألترا صوت"، جذور هذه الحادثة وأمثالها إلى سبب أعمق، يقول "الاعتداء على الكلية وغيره مما يمكن أن يحدث مستقبلًا، يعود إلى التأخر في تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية... الكثير تجب محاسبتهم لكن هذا لم يحصل، ما أوحى للبعض بأن الإساءة للآخرين سهلة ولن يكون لها عقوبة".
ومن المُفارقة أن التصريحات الرسمية، كانت سريعة وحازمة عند وقوع الحادثة، حيث أكّد فرع المباحث الجنائية أن "أي اعتداء على المؤسسات التعليمية أو كوادرها الأكاديمية يُعد تجاوزًا خطيرًا، سيُواجه بحزم وفق أحكام القانون". وأدان وزير التعليم العالي الدكتور مروان الحلبي الحادثة مؤكدًا أنها "لا تمت بصلة إلى القيم الأكاديمية"، ومشددًا على أنه "لن يُسمح بأي شكل من الأشكال المساس بحرمة الجامعات أو أمن كوادرها". لكن الصمت الرسمي وغياب المحاسبة العلنية إلى اليوم، يجعلان من كل ما سبق، مجرّد تبرئة ذمم لا أكثر، بانتظار العدالة واستعادة الهيبة الأكاديمية، وفي سياقها لغة الحوار المفقودة، لصالح سلاح المعتدين.