15-مايو-2020

الذكرى 72 للنكبة

لا يوجد ما هو راسخ في هذا العالم مثلُ العود الأبدي لدى اللاجئين الفلسطينيين، فالزمن الذي تعرّض بنيانه للانكسار مع النكبة اتخذ شكلًا مأساويًّا، وبات دائرة تنطلق من النقطة ذاتها لكي تعود إليها، جعل الماضي حاضرًا وحيًّا، والذاكرة الجماعية طريقًا ذا مسار إجباري.

ولئلا يبدو هذا حديثًا عن أسطورةٍ لا بد من منْطَقَة للمعنى اللامنطقي، من أجل أن يُفهم هذا الاستمرار كتعبير عن عدم حلِّ المسألة الفلسطينية، لهذا فإن الحياة الفلسطينية، خصوصًا في الجزء المتعلق بالشتات، محطاتٌ مفخخة بالنكوص وقابلة للعودة إلى صفرها الذي لا تعرف سواه، صفرِ التهجير والرحيل.

فلسفيًّا، يكتسي الرقم صفر بالعديد من المعاني، فهو بدايةٌ مرّة، ونهاية مرة أخرى، وهو شيء ولا شيء، فراغ وامتلاء، حضور وغياب، عدم ووجود. وفي التجربة الفلسطينية، استطاعات تجليات الصفر أن تصبح شديدة الرسوخ، ففي المعنى الذي يحيل على البداية، تبدأ القصة الرسمية عام 1948، على ما لها من امتداد طويل قبل ذلك، لكنّ ما حدث هذه السنة، سنةَ بداية الاقتلاع والاحتلال، هو نهاية لكل ما أراده اليهود لمشروعهم.

عام 1948 صفر بمعنيين: بداية ونهاية. ذهب الفلسطينيون إلى المخيمات، سواء إلى الأجزاء التي لم تُحتل من فلسطين وقتها أو إلى الدول العربية المحيطة، وهناك بدأ الصفر مع الخيمة. الرحلة وصلت إلى الاستقرار. الخيمة طبعًا تطورت إلى منزل من صفيح، ثم إلى دور طينية، إلى أن غدت منازل مشيّدة من حجر. ورغم ذلك ظل الصفر، صفر الخيمة، كامنًا في لا وعي البيت يحرّك سلوكه، وأحيانًا يسيطر على شخصيته.

ولأنّ الصفر رقم رهيب كما لو أنّه مصنوع من سحر لا يرتضي لنفسه مصير الأرقام الأخرى في أن ينتهي إلى معنى وشكل ثابتين، لهذا يعود ويتجلّى مختارًا واحدًا من معانيه المتناقضة، وهكذا حدث أيلول الأسود في الأردن عام 1970، وفُرض على المخيم أن يعود إلى أول القصة (كما يقول يونس الأسدي بطل رواية "باب الشمس")، ثم يحدث الأمر ذاته، وعلى مراحل في مخيمات لبنان، بدءًا من تل الزعتر الذي محاه النظام السوري من الخارطة، وصولًا إلى مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي نفذّها يمينٌ لبناني يعمل بالوكالة لدى الصهيونية، ثم تأتي بعدها مرحلة حرب المخيمات بعد خروج منظمة التحرير من بيروت، لتعود الحكاية إلى أولها مرة أخرى مع تدمير مخيم جنين في الانتفاضة الثانية عام 2004.

هل تل الزعتر اختصار للعنة هذه الأمكنة؟ هل اسمه إشارة إلى صميم معنى المكان الشتاتيّ الفلسطيني؟

القصّة نفسها في كل هذا التكرار، لكن مهما تغيّر الفاعل يبقى ثابتًا أنه يؤكّد ويثبّت الجريمة المُؤسِّسة التي قامت بها قوات الهاغاناه والشتيرن والإرغون عام 1948.

فلنكمل القصة إذًا. ثمة المزيد من الفصول التي لم تغطَ كما يجب. ففي لبنان دمّر مخيم نهر البارد من قبل الجيش اللبناني وجرى تهجير لسكّانه، كذلك الأمر في مخيم عين الحلوة، جنوب لبنان، الغارق في المعارك والاشتباكات دون أن يتاح لأهله الرحيل إلا إلى مخيمات الموت.

هل تل الزعتر اختصار للعنة هذه الأمكنة؟ هل اسمه إشارة إلى صميم معنى المكان الشتاتيّ الفلسطيني؟ ليس في إمكان أحد القول إنه لم يعد بعدَ الآن ثمة مخيم اسمه تل الزعتر، لأنه صار المخيمات كلَّها، ولأن التلّ علا وسيعلو بجثث اللاجئين المتراكمة، وليس الزعتر إلا ترميزًا مشتقًّا من الفلكلور العميق لتخفيف وطأةِ روائحِ الدم المسفوح على الأنفاسِ والرئات.

قبل إكمال هذا السرد علينا استعادة الفكرةِ الرئيسية التي قام عليها المخيّم الفلسطيني. بدأ الأمر بقضية لاجئين أنتجتهم حرب، لا يختلفون عن اللاجئين الذين تُنتج ضياعَهم حروبُ هذا العالم، لكن هنا وللمرة الأولى لم يَعدِ اللاجئون، وتبيّن أن الحرب حدثت لأجل طردهم أصلًا. هم الهدف الأول وليسوا ضحايا جانبيةً لاستراتيجيات تتذرّع بها الحروبُ عادةً.

في هذا الصفر، الذي أخذ معنى فلسفيًّا وواقعيًّا، ابتكر اللاجئون وجودَهم عبر سردية النكبة الفلسطينية، بما تضمنته من طرد واقتلاع، وصارت قصتهم قصةَ شعبٍ مطرود يعيش في البؤس والتشرد، ومن هذه القصة ولدت الثورةُ وحركةُ تحررهم الوطنية، وخرج من هذه الأمكنة فدائيون أضافوا إلى تاريخ النضال البشري شكلًا جديدًا للمقاومة، جعل من الانتماء إلى المخيم انتماءً إلى فلسطين المسلوبةِ، وجعل فلسطينَ اسمًا حركيًّا للحرية.

لا ننكر أن المخيمات في هذا العالم تزداد بدلًا من أن تتناقص، وأن فكرة اللجوء تتسع بدلًا من أن تتقلّص، إلى درجة أنه يبدو عاديًا وطبيعيًّا أن يكون هناك لاجئون، لكن بين مخيمات الأرض كلها استطاع المخيم الفلسطيني أن ينمو مثلَ شتلةِ مقطوعة عن أمِّها، ويتحدّى الاقتلاع عن جذوره بصناعة هويته التي جعلت كل ما يجري للمخيمات، في زمن الأصفارِ كلها، محاولاتٍ لاغتيال ما يُمثّله من معانٍ، خصوصًا فكرةَ المقاومة وحقَّ العودة.

ليَعُد من يريد الاستزادة إلى الأول، إلى دفاتر أحد آباء إسرائيل مثل بن – غوريون ليقرأ أفكاره الواضحة في هذا الخصوص التي تقول بكل صراحة: "يجب أن يُطردوا".

حاز المخيّم مكانة مركزية لكون حركةَ التحرر الفلسطينية حركةَ لاجئين في أساسها، لكنّه لم يحزْ تلك المركزية في التطبيق العملي، فأدبيات منظمة التحرير الفلسطينية تفتقر إلى تفكير جاد في المخيم ككيان وكمجتمع، ولنا مثال في مجلة أساسية مثل "شؤون فلسطينية"، التي أصدرها مركز الأبحاث الفلسطيني، أولى المؤسسات التي أنشأتها المنظمة، حيث لا نعثر إلا على دراستين اجتماعيتين فقط خلال وقت طويل من عمر المجلة، الأمر الذي يعني انفصالًا بين الفكر والممارسة، وما كل الحضور الذي حَظِي به المخيم إلا لكونه حاضنةً ثوريةً، أو أنه جبهة من جبهات المواجهة سواء في الأردن أو في لبنان، أو في سنوات الانتفاضة الأولى.

على هذا، يمكن القول إن الفلسطينيين انطلقوا من المخيم دون أن يعرفوه. بدأوا منه ولم يفكروا به.

وما ينطبق على السياسة ينطبق على الأدب، فأعمال الأدباء عن المخيم في مراحل التشكّلِ الأولى قليلة، ونكاد لا نراه سوى في أعمال غسان كنفاني، خصوصًا في رواية "أم سعد"، وفي قصيدة "أحمد الزعتر" لمحمود درويش التي تتناول مأساة مخيم تل الزعتر في لبنان.

لعل الفنان الفلسطيني الأكثر التفاتًا إلى مكانة المخيم، وحياته، وطريقة عيشه، وأفكاره، وشخصياته، هو ناجي العلي، فحنظلة، شخصيته الرئيسية وتوقيعه في الوقت نفسه، ابن مخيم، وتجسيد لمعنى المخيم من حيث التشرد واللجوء والفقر وفقدان الأمل والرفض والتمرد.

يمكن، بلا شك، أن تُسرد أعمال كثيرة من جهة العدد ورد فيها المخيم لدى أدباء مراحل لاحقة، ففي سوريا، على سبيل المثال، نرى ذلك في بعض إصدارات "اتحاد الكتّاب العرب"، لكن يُمكننا غضُّ النظر عنها ليس بحكم تهافت قيمتها الأدبية وحسب، بل لأن الأسوأ من ذلك أنّ كتاباتِ هؤلاء عن المخيمِ لا تجد تناقضًا مع انتمائهم لمؤسسةٍ خاضعةٍ مباشرةً لنظام الأسدين الذي أزال تلَّ الزعتر من الوجود، في الوقت الذي ظلوا يكتبون فيه غنائياتٍ سرديةً، كمن يكتب تحت سقف الدبابة.

لنعُد إلى الخلف قليلًا كي نتابع مأساةَ سقوطِ المخيمات، ولنتذكّر خلال ذلك أن هذه الأمكنةَ قائمةٌ على أناس من قرى مدمّرةٍ ومدنٍ مهزومة. ما يعني أن سقوطَ المخيم هزيمةٌ ثانية، ولمّا كان فيه أناس شهدوا وقائع سقوط المكان الأول، ففي هذا كثير من المعنى حول كرم الحياة اللئيم وهي تريهم السقوطَ الثاني، سقوطَ المخيم، حين انكشف المعنى المختبئُ في كلمةِ "المؤقت"، الكلمةِ الشاعرية التي يحبّها الفلسطينيون حبًّا جمًّا، ويستعملونها للدلالة على كون الإقامة في المخيم عارضةً، إذ سوف تتلوها عودةٌ كاملة ونهائية إلى البلاد، فيكتمل المعنى وتُعرب الكلمة إعرابًا صحيحًا في سياق الواقع الحيّ، فيفاجؤون بأن المعنى صحيح تمامًا لكن الجهة دائمةَ المُخَادَعةِ هي جهةُ الرحيل، فكل ما هناك نأيٌّ وابتعاد لا عودةٌ واقتراب.

وعلى هذا، سوف يتحوّل الرحيل إلى رحيل آخر، وسوف يصبح اللجوء لجوءًا مضاعفًا.

عند هذه النقطة، لن يكون أمامنا غير اليرموك، المخيم الذي ظل يعطينا صورًا تختصر كلَّ سفالاتِ القهر البشري خلال سنوات حصاره من النظام السوري، ليقدّم لنا نفسه آخر الأمر في صيغة صفر جديد: مكان مقوّضُ الأركان. مكانٌ أنقاضٌ. أنقاضٌ مكانٌ.

لعل الفنان الفلسطيني الأكثر التفاتًا إلى مكانة المخيم، وحياته، وطريقة عيشه، وأفكاره، وشخصياته، هو ناجي العلي

لم يسقط اليرموك في اللحظة التي ظهرت فيها صوره إلى العلن، ولم يجر تدميره خلال ساعات البث المباشر لأنقاضه وأشلاء بيوته وأحشائها، إنما واكبَ سقوط سوريا حجرًا حجرًا، ومعنى معنى، وحين بات سيناريو النهايةِ كاملًا عُرضت علينا الصورُ، ولأجل هذا ينبغي النظر إليه دومًا على عدة مستويات، أولها وأهمها أنهم وضعوا عبر ركامه اللمساتِ الأخيرةَ لشطب قضية حقّ العودة وقضية اللاجئين الفلسطينيين. ثانيها أنه يمثّل فصلًا دمويًّا من نكبة شعب لم يعد عدوُه المباشر من يكتبُها بالإبادةِ والتطهيرِ العرقي. ثالثها أنه منطقةٌ سوريةٌ جرى لها ما جرى في طول هذه البلاد وعرضها على يد نظامها الرابض على صدرها وأحلامها كالغول. رابعُها أن دمارَه جاء على يد الفئةِ التي استحكمت بالمسألة الفلسطينية لتكسب من التلاعب بها، لا من دعمها وتطويرِ نضالها، شرعيةً تَعرفُ أنها تفقدها، ولا ننسى أن هذه الفئة موجودةٌ في النظام العربي منذ زمن الاستعمار. وخامسُهَا أنه جسّد صورة حيوية ومعاصرة لدمشق، وللمدينة العربية عمومًا، منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي الاستطراد حول المستوى الأخير، يمكن القول إن اليرموك لا يمثّل دمشق، أو شكلَ المدينة الحديثة، كونه بناءً عشوائيًا، لكنه من ناحية الحياة الاجتماعية وأفقها المفتوح يعطي كل ما لم تكنه مدينةٌ عربيةٌ، ربما باستثناء بيروت، من حيث إفلاته المتمرد من أن يغدو، حالَ الأمكنة العربية عادةً، مستعمرةً محلية للنظام الحاكم الذي يهندس المجتمع والمكان على قياس تصوّراتِ الأبديةِ التي يحلم بها، فهذا الحيّز الفلسطيني استقطب الروح السورية إلى فضائه، وبات عندها بمثابةِ لا وعيها الحرِّ الذي تستمتع فيه بتنفس هواء التعدد الإنساني والسياسي، وتشكّل في داخله مساحاتٍ للعلاقات المتحررة، والشغبِ والأحلام.

ما غاب من دمشق خلال نصف قرن تسرّب إلى اليرموك. صحيح أنه لم ينج تمامًا من قبضة الأمن السوري العتيد، أو من ذيوله المحلية، إلا أنه استطاع رسمَ صورةٍ لسوريا لطالما جرى تعتيمها. فهل المخيم، وهو على هذا النحو، دمشقُ الغائبة، وصورةٌ للمدينة العربية التي وُئدتْ سياسيًّا؟

بفضل هامشيته نجا اليرموك مما لم تنج منه دمشق وبغداد والقاهرة. وبفضلها أيضًا خبّأت فيه المدن أسرارَها كلَّها: فلسطين، العودة، الثورة، الحب، التطرف الديني، الرقص، الضحك، الجنون.. وبسقوطه سقطت معه صورة دمشق السرية. ربما لم نر المدينة ركامًا، لكن حتمًا أنَّ أنقاض اليرموك أخذتها معها.

على أية حال، الزمان الفلسطيني صفر يدور في دائرة أولها مثل آخرها، لذا لم يضف الحدث الإعصاري الذي قدمته سوريا إلا المعنى الغائب، وهو أن ما حدث لاحقًا متصل بما حدث سابقًا، وما حدث للفلسطيني في شرق المتوسط كل متكامل، سواء في فلسطين التاريخية أو في الأردن ولبنان وسوريا والعراق.

أقام العديد من فلسطينيي سوريا، بلا شكّ، مقارنات بين المخيمات الأولى التي حدّثهم عنها الأهل والمخيماتِ التي مرّوا بها، في سوريا والدولِ المحيطة بها، التي تمثّل تقليدًا راسخًا لدى الأمم المتحدة، أو تلك الأفضلُ نسبيًّا، والتي يصر الجميع على تسميتها "كامبات" لكنها لا تعني ما تعنيه المخيماتُ لهم.

حدّثني أبي أنه نام في طريقه الطويل إلى ألمانيا مع العائلة في البرية بين صربيا وهنغاريا، وحين صحا صباحًا ووجد نفسه وجاكيته متجمدين تمامًا لم يبال بذلك بمقدار ما انشغل بشيء مماثل حكاه له أبوه، جدّي، الذي تغطى بعد النكبة في مخيم الرِّزانيّة، المخيّم الأول الذي أقامته الأونروا في بدايتها في بلدة الرزانية بالجولان، بقطعة قماش متبقية من خيمة، وحين صحا وجدها وجسدَه متجمدَين مثل الخشب. اكتفى أبي بسرد الحادثتين، فيما لم أعرف وأنا أسمعه من الذي تجمّد في الجولان ومن تجمّد في براري أوروبا!

ترغم دورة العود الأبدي من سمع القصة من أهله أن يشعر بشكل تخيّلي أنها حدثت له شخصيًّا من قبل، تمامًا كمن يشاهد فيلمًا للمرة الثانية. وفي هذه الحال سوف يحدث خلط نفسي قاس يُفقد الإنسان صلاته بالزمان والمكان معًا. هذا طبعًا هو الصفر النفسي. هنا لن تعود الحدود واضحةً بين الماضي والحاضر، كما لن يعود الحدث المتوارث شفهيًّا مجرد حكاية عائلية أساسها الظلم والحَيف، بمقدار ما يصبح اللاجئ وارثًا ومورّثًا، من نفسه ولنفسه، أما الحكاية فلن تعود كذلك على الإطلاق منذ تجلّت واقعيًّا وماديًّا لصاحبها.

بين المخيم والكامب، ثمة مفارقة تستحق التأمل، لأن اللجوء إلى كل منهما يحمل سخريته الخاصة في جزئية محددة، ففي المخيم يكون الفلسطيني لاجئًا من عسف العالم الذي أتاح للحركة الصهيونية استباحةَ بلده إلى محيطه العربي، وفي الكامب لاجئًا من العسف العربي إلى العالم.

بمعنى آخر، المخيم لجوءٌ محلي من قهر عالميّ، الكامب لجوء عالميٌّ من قهر محلي.

بين المخيم والكامب يتصاعد الإنكار، في الأول يكتبون على بطاقتك الشخصية "بطاقة إقامة مؤقتة للاجئين الفلسطينيين" بحجة أن التوطين مضاد للعودة، وفي الثاني يُسجلون في بطاقتك عبارة "بلا وطن" بحجة أن سجلاتهم لا تحتوي على بلد اسمه فلسطين. كأن الكامب ختم الضياع الأخير والنهائي على الضياع الفلسطيني الصغير الذي ظنناه آيلًا للانتهاء يومًا.

وبين المخيم والكامب، يجد الفلسطيني السوري نفسه أمام عالم كامل من اللاجئين. برج بابل كاملٌ، لغويًّا وجغرافيًّا، يجمع معذبين من كل أصقاع العالم، فيرى أنه ليس الوحيد في مأساته، وليس الضحيةَ الأكثر استحقاقًا للإنصاف من سواها، فعلى الأقل لديه الأونروا ومنظمةُ التحرير الفلسطينية كذكرى، فيما لا يملك الآخرون سندًا، ولهذا عليه تحويل اللجوءين، الأول والثاني، إلى فعل لقاء مع هؤلاء المقذوفين بفوهاتِ مدافعِ الحروب الأهلية، أو البطشِ الدكتاتوريِّ، أو تفكّكِ دولهم، من أجلِ بناء هويةٍ لجوئيةٍ تعبرُ القوميَّ لتتصل بكل من عانوا اقتلاعًا وطردًا، قديمًا وحديثًا. هوية تمثّل تواصلًا لكل لجوء حدث أو سيحدث، كي تصبح قضية اللاجئين قضيةً واحدةً في العالم بأسره، وعليه أن يحلّ كلًّا منها حسب خصوصيتها، مثلما شَهِدتْ حِقبٌ سابقة صوغَ هويةٍ، أو هوياتٍ، للمستَعْمَرين، وجاءت حركاتُ التحرر الوطني لتمثّل تعاونًا فيما بين هذه الهويات التحررية.

ليس بالسردية الفلسطينية للنكبة والتهجير وحدها تُبنى هذه الهوية، ولا بالسردية الفلسطينية – السورية حول دمارِ المخيمات وتشريدِ أهلها، إنما بالانتماء إلى كل من عانوا ظلمًا وقهرًا في الأمكنة التي جاء منها أصلًا: السوريون والعراقيون والأكراد والأحوازيون وغيرهم، والذين عرفهم في الكامب ممن يعانون من العنصرية والتعالي.

بفضل هامشيته نجا مخيم اليرموك مما لم تنج منه دمشق وبغداد والقاهرة. وبفضلها أيضًا خبّأت فيه المدن أسرارها كلها

تثقيف الذات بآلام الآخرين يمنح هذه الهويةَ شكلَهَا، ويضع أمامها هدفًا واضحًا: العدالة. بينما أولئك الذين ينادون بوطنية غير معنية إلا ببلدانهم أو بأبناء جلدتهم فيأخذون الكلَّ إلى جزئياتٍ لا تعني سوى من يتطابقون معهم فقط، وكأنهم يغلقون الأبواب في وجوه الآخرين، ولأننا في سياق الحديث عن فلسطين ولاجئيها للمرة الثانية فلا بد من الانتباهِ إلى فلسطينيين كثيرين جعلوا فلسطينَ حجابًا على ضمائرهم كي لا يتحدثوا عما جرى فعلًا في سوريا، إما لولاء جبانٍ للنظام الذي هربوا منه، سواء في السابق أو الآن، وإما لأن الهوية الفلسطينية عندهم وصلتْ إلى عماء شوفينيّ، بحيث تجعل من قبولهم لمتألمٍ سواهم مستحيلًا، أو لثائرٍ من غير أحزابهم مجردَ أفّاق.

في حديث مع صديق حول نشأتنا في المخيمات الفلسطينية في سوريا، سألني: "هل تحب فلسطين؟"، قلت: "نعم طبعًا"، فقال بتحديد أكبر: "هل تحب فلسطين أرضًا وشعبًا؟". ما إن هبط السؤال علي حتى شعرت برأسي مصعدًا يهوي بسرعة قياسية ويصطدم بالأرض اصطدامًا قدحَ شرارًا وأثار غبارًا.

بالتأكيد ثمة مشكلة في هذا السؤال حين يطرح على لاجئ لم يطأ أرض فلسطين، وثمة استهزاء في حب شعبها ذلك أنه ما من أحد يمكنه أن يحب شعبًا كاملًا. ثم لماذا عليه أن يحبه؟ أليس في هذا إسقاط للتعصب القبلي على مفهوم حديث مثل الشعب؟

حين يضعك الآخر أمام سؤال خاطئ، متحصّنًا بحق وحرية الأسئلة، فإنه يجرّك جرًّا لتقديم إجابات خاطئة، لكن قبل أن تبتكر الأسئلة التي تظنها أكثر صوابًا، أو أكثر قربًا إلى العقل والمنطق، عليك الانتباه إلى جرس الإنذار الذي يقرعه السؤال الذي يريد عبر لعبةِ التعجيز الطفولية، السهلةِ على الراشدين بطبيعة الحال؛ عليك الانتباهُ والحذرُ لأن الآخر يريد أن يجعل من هذه الأسئلة مدخلًا للهروب من المسؤولية الأخلاقية التي تفرضها القضية، أيُّ قضية كانت، على كل صاحب ضمير، وهذا الهروب سيتحول إلى خروج بعد قليل، ثم سيكون سهلًا عليه تحميل فلسطين كل المعاني السلبية، بدلًا من الاجتهاد في اقتراح مساهمة نقدية حيوية لما يراه سلبيًّا فيها، وبهذا يمنح نفسه الحق في التنصل من الصورة التي وصمها بها.

ربما يكون هذا الصديق بريئًا من جهة النوايا، وكل ما يصدر عنه إنما يصدر عن يأسه من الواقع القائم الذي لا يبدو أنه ينبي عن خير قريب.

ترغمنا فلسطين الخارجة من الأسئلة أن نسأل أسئلتنا دون وجل، بما يوافق العقل والتفكير السليم: هل أعرف فلسطين؟ هل لدي تصوّر عن الشعب الفلسطيني وهو موزع على جغرافيات تخلق، إلى حدّ ما، هويات فلسطينية خاصة؟ لماذا يقتصر معنى الأرض على حدود فلسطين ومدنها وقراها؟ لماذا لا يكون المخيم جزءًا وامتدادًا لهذه الأرض؟ هل ثمة ثابت فلسطيني اليوم بما في ذلك القدس والعودة وتقرير المصير، بعدما أطاحت بها صفقة القرن بمباركة عربية؟ ما الذي يجعل فلسطين شديدة الأهمية في تاريخ العرب السياسي؟ هل أريد العودة حقًّا إلى مكان لا أعرفه، أنا المطرود من مكان آخر أعرفه وأتوق إليه؟

بالنسبة لي، في ألمانيا صرتُ فلسطينيًّا، وكلما صرت فلسطينيًّا أكثر اقتربت من سوريا.

لطالما عرّفتُ نفسي بهوية مزدوجة، فلسطينيةٍ وسوريةٍ، مثلما يفعل جلُّ الفلسطينيين على الأرض السورية ممن لا يرون تناقضًا بين المعنيين، ولعل تحوّل الجزء السوري من الذات إلى لاجئ هو من أعادَ تعريفَ ما لم يُعرّف في الجزء الفلسطيني: لاجئ في سوريا يصير سوريًّا إلى حد كبير، ثم حين يصبح لاجئًا من سوريا يكاد يكون لا شيء تقريبًا، ولأنّ اللجوءَ إلى سوريا غيرُ منقوصٍ في الحقوق إلى درجة كبيرة، فاللجوء منها نقصان في معنى اللجوء الأول عندِ اللجوء الثاني.

هي معضلة بلا شك، غير أنّ رؤية سوريا من خلال فلسطين تجعل الصورةَ أوضح وأشدّ تماسكًا. ذلك أن رؤية سوريا بسوريا فقط حقلُ ألغامٍ مملوءٌ بالفخاخِ الطائفية والحربِ الأهلية، والأنكى أن خطاب الثورة السورية لا يريد أن يذهب إلى أبعد من حكم الأسدين، لكنَّ سوريا، على ضوء فلسطين، تكاد تكون الشرقَ كله، باستعماره وتفتيتهِ ودكتاتوريتهِ وتشريدِ أهله.

في ألمانيا، حيث صرت لاجئًا للمرة الثانية، وتحت وطأة مغادرة البيت والمخيم، بات عليَّ التفكير بشكل آخر عما عنّاه لي من قبل، فلشدَّ ما مثّل المخيمُ مساحةَ أمانٍ فلسطينيةً من جهة احتواء حياته على رموز العودة والثورة والنضال ضد الاستعمار الصهيوني، وحين ضاع وتبعثر ضاعَ معه ذلك الأمانُ النفسي وتفجرت الأسئلة، ولكي لا يذهب المرء إلى بكائيات لا تجدي نفعًا حول طردِه الموجودِ قبل وجودِه الفيزيائي، صار لزامًا عليّ مراجعة ما جرى على ضوء ما يجري، ولأنّ اللحظتين في حال من التطابق تمكنت من أن أفعل العكس، فقرأتُ الماضي على ضوء الحاضر، فالزمان الفلسطيني الذي لا يتوقف عن عودِه الأبدي يوفّر هذه الإمكانية.

في استعادة تاريخ الانتداب وشكل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين منذ نهايات العهد العثماني وحتى عشية النكبة، وجدت سوريا حاضرةً دومًا في كل المراحل، فلماذا لا يكون الخروج منها استمرارًا لحركة الخروجِ إليها؟ ولماذا لا تكون فكرة العودة مضاعفةً بأن تكون إليها بذات الدرجة إلى مدينة الإنسان الأصلية في الجليل؟

الآن بعد إطلاق أبواق الإعلان عن صفقة القرن، في عالم وقح يستقوي على اللاجئين، لا بد من أن تكون فلسطين سببًا لفهم غياب العدالة في هذا العالم، ولا بد من إعادة برمجة الهوية الفلسطينية، ليس بحكايات الرعيل الأول وحسب، وليس بالحنين إلى زمن الفدائيين وحسب، بل بإنشاء علاقة مع جغرافيات فلسطين، فيها هي نفسُها وفي المخيمات. هذه العلاقةُ المشتقةُ من وعيٍّ ستحدّد الرؤية، وتكشف عن خصائص الذات وإمكاناتها، صحيح أن الفلسطينيين في بقاع شتى، تفرقهم أشياء وتجمعهم أخرى، لكن هذا الوعي بالذات، بعيدًا عن الفلكلورية التي تريد أخذ كل شيء إلى المتحف، وبعيدًا عن النزعة البطولية التي تريد أن تجعل كلَّ أحدِ قربانًا.. هذه الرؤية ستخلقُ تضامنًا يستعيد التجربة من ألفها إلى يائها، بقادتها وأبطالها ولصوصها، لا كي ننتهي منه إنما لأجل تحويله إلى طاقةٍ دافعةٍ للذات الجماعية للحضور بشكلٍ جديد، لأن صفقةَ القرن تقصدنا جميعًا، فردًا فردًا، فهي مصنوعة من خلاصات مشاريعِ تصفية وجود فلسطين ومحو أهلها.

إذا كانت السيرةُ الفلسطينية دائرةً متواصلةً من الأصفار التي تفضي إلى أصفارٍ جديدة، فإننا الآن في الدرجةِ صفرٍ مرةً أخرى، وهذا الصفرُ مثلُ سواه قابلٌ لأن نصنع منه مرحلة جديدة بدلًا من أن يصنعنا.