05-يونيو-2024
مواقف حبيب المتماهية مع المواقف الإسرائيلية دفعت للتساؤل هل هو ممثل فرنسا لدى إسرائيل أم ممثل إسرائيل لدى فرنسا؟ (ABACA Press)

عندما كان النائب عن حزب "فرنسا الآبية" اليساري، دافيد غيرو، يدلي بتصريحات صحفية في بهو الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي)، حول قرار رئيسة الجمعية يائيل براون بيفيه، المعروفة بدعهما لإسرائيل، بتعليق الجلسة البرلمانية بسبب رفع النائب سيباستيان ديلوغلو العلم الفلسطيني أثناء جلسة لطرح الأسئلة الموجهة إلى الحكومة الفرنسية حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإقرار عقوبة بحقه والمتمثلة في منعه من المشاركة بجلسات البرلمان لمدة 15 يومًا، وهي أقصى عقوبة يمكن للبرلمان إقرارها بحق نائب، بالإضافة إلى خصم من مستحقاته المالية، وقعت مشادة كلامية مع النائب عن حزب الجمهوري اليمني مائير حبيب الذي حاول التدخل لمنع النائب غيرو من الإدلاء بتصريحاته للصحفيين.

لم يتوقف الامر عند هذا الحد، فقد طالب غيرو من حبيب مغادرة المكان لإتمام اللقاء الصحفي، وقال ذلك باستخدام صيغة المفرد المخاطب وليس صيغة الجمع، وهو ما يعتبر باللغة الفرنسية نوعًا من عدم الاحترام إذا لم تكن هناك معرفة أو مودة بين الشخصين. فردّ عليه حبيب متسائلًا: "لماذا تخاطبني بهذه الطريقة؟ نحن لم نقم بتربية الخنازير معًا"، وهو تعبير فرنسي يعني "نحن لسنا أصدقاء"، فرد عليه النائب غيرو قائلًا: "أنت الخنزير الساقط في وحل الإبادة".

مائير حبيب، رجل أعمال فرنسي - إسرائيلي، يشتهر بمواقفه المتماهية تمامًا مع السياسة الإسرائيلية، ويتميز بقربه الشديد من نتنياهو، حتى أنه يُطلق عليه لقب "الناطق باسم نتنياهو" في أوساط السياسيين بفرنسا

وهدد حبيب بأنه سيقدم شكوى ضد غيرو يتهمه فيها بـ"معاداة السامية".

تم تداول فيديو المشاهدة الكلامية على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، ولاحقًا سعى الإعلام الفرنسي، المعروف بانحيازه لإسرائيل، للضغط على غيرو للاعتذار عن تصريحاته بحق حبيب، فكان رد النائب اليساري أنّ: "الاعتذار الوحيد سيكون لخنازير فرنسا، لأن لا أحد منهم انحط للدفاع عن إبادة جماعية كما فعل حبيب".

يُعرف مائير حبيب أنه رجل أعمال يحمل الجنسية الإسرائيلية كذلك، ويُعرف أيضًا بمواقفه المتماهية تمامًا مع السياسة الإسرائيلية، لكن المثير للانتباه هو قربه الشديد من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لدرجة أنه في أوساط السياسيين بفرنسا يطلقون عليه لقب "الناطق باسم نتنياهو".

العلاقة بين الرجليين ليست وليدة الأحداث الحالية، بل تمتد لأكثر من ثلاثين سنة. يتذكر مسؤول في حزب الليكود أنه في أوائل التسعينيات، كان نتنياهو النجم الصاعد داخل الحزب آنذاك. وعندما جاء إلى باريس، كان حبيب أحد الأشخاص الذين تم اختيارهم للعمل كسائق له. عُرف عنه التزامه مع حركة "بيتار"، وهي حركة شبابية صهيونية يمينية متطرفة، شاركت في العديد من الهجمات ضد من تدعي أنهم "معادون للسامية". وقد أدين حبيب نفسه بالضرب والعنف المتعمد ضد افراد من الأمن الفرنسي خلال مواجهة مع عناصر الحركة بباريس في أيار/مايو 1988.

وبعد عودة نتنياهو لرئاسة الوزراء عام 2009، تعززت العلاقة بين الرجلين، أصبح حبيب لاعبًا رئيسيًا في رسم العلاقات الإسرائيلية الفرنسية، وصلة الوصل بين اليمين الفرنسي واليمين المتطرف الإسرائيلي، بل علاقته المباشرة مع نتنياهو سمحت له ببلورة مواقف الأخير من عدد من القضايا الخاصة بفرنسا.

يكشف الصحفي الاستقصائي الإسرائيلي، رافيف دراكر، أنّ حبيب موّل إجازات خاصة أمضاها نتنياهو وعائلته في فرنسا. وبعد عودة الأخير للحكم أصبح يتحكم في جدول زياراته عندما يأتي كرئيس للوزراء إلى باريس. وجميع الاتصالات الرسمية لنتنياهو في فرنسا تمر عبر حبيب.

تدريجيًا أصبح حبيب مستشارًا وممثلًا لنتنياهو، مما سيسمح له بالمشاركة في العديد من المحادثات بين بنيامين نتنياهو والشخصيات الفرنسية، وكان له دور في تحديد جدول أعمال الزيارات.

دفعت هذه الخطوارت غير المفهومة بالمتحدث باسم السفارة الإسرائيلية في باريس، في أوائل التسعينيات ثم السفير في فرنسا من عام 2006 إلى عام 2010، دانيال شيك، إلى التساؤل حول ما الذي يحدث قائلًا: "قابلت مائير في كثير من الأحيان. سمح لنفسه بمطالبات معينة بالتمثيل الرسمي تقريبًا لإسرائيل، أو على الأقل لرئيس وزرائها أمام السلطات الفرنسية. خلال مقابلة بين نتنياهو وساركوزي، طلب مني نتنياهو عدم حضور المقابلة أثناء مشاركة ماير حبيب. إنها مشكلة. من الواضح أن رئيس الوزراء له الحق في دعوة من يريد. لكن السفير يعتبر عادة الممثل الرسمي لدولة إسرائيل في فرنسا."

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل وصل نفوذ حبيب إلى داخل قصر الإليزيه، فخلال زيارة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند لإسرائيل، تدخل لاستبعاد شخصية فرنسية مناصرة للفلسطينيين من الوفد المرافق لهولاند، مهددًا بالالتحاق بالوفد الإسرائيلي في حال الامتناع عن تلبية مطلبه، بعد أنّ كان قد فرض نفسه على الوفد الفرنسي.

نفوذه تعدى صفته النيابية، ففي كانون الثاني/يناير 2020، أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إسرائيل، تمت دعوة الأخير إلى مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس المحتلة، وتم التقط صورة للقاء التي ظهر فيها نتنياهو وزوجته وماكرون والسفير الفرنسي لدى إسرائيل إريك دانون، لكن أيضًا تواجد في الصورة مائير حبيب.

خلال تصريحات لاحقة للصحفيين قال حبيب إنه "حضر اجتماع القمة بين الزعيمين"، وأضاف: "لا أستطيع قول أي شيء لأننا تحدثنا عن ملفات سرية للغاية، متعلقة بإيران والعلاقات الاقتصادية الفرنسية الإسرائيلية وملفات حساسة أخرى".

وخلال تسليط الضوء على النشاط غير العادي لحبيب، الذي وصفه "راديو فرنسا" بـ "النائب الفرنسي الوفي لنتنياهو"، تساءل الراديو عما يفعله نائب برلماني في خضم هذه المناقشات الرسمية الحساسة؟ وبأي صفة كان حاضرًا؟ كان رد الخلية الدبلوماسية للإليزيه، بناء على طلب من الراديو: "حبيب نائب الدائرة الانتخابية. إنه يشارك، مثل النواب الآخرين في الخارج، في المقابلات".

انتخب مائير حبيب كمرشح عن حزب اتحاد الديمقراطيين والمستقلين في الدائرة الانتخابية التي تمثل المغتربين الفرنسيين الذين يعيشون في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي ثمانية دول من بينها إسرائيل. 

لكن المفارقة أن النواب الثمانية الآخرين للمغتربين، الذين رأوا إيمانويل ماكرون يمر في زيارات للبلدان التي تم انتخابهم فيها، أكدوا جميعًا عدم دعوتهم نهائيًا لهذا النوع من الاجتماعات. وأوضحوا بحكم فصل السلطات، لا يولى إيمانويل ماكرون اهتمامًا كبيرا لنواب الفرنسيين في الخارج.

بالتوازي مع نشاطه الداعم لنتنياهو وحزب الليكود، عمل النائب الديغولي على الدفع بفرنسا إلى تغير مواقفها تجاه الصراع في الشرق الأوسط، وتبني توجهات جديدة تتماهى مع توجهات اليمين المتطرف في إسرائيل، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ورفض فكرة حل الدولتين التي تبنتها فرنسا منذ أيام الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. فقد انتقد عام 2014 تصويت الجمعية الوطنية على الاعتراف بدولة فلسطين، معتبرًا القرار "اعترافًا بالإرهاب"، لأن الحكومة الفلسطينية التي شكلت حينها كانت تضم حركة حماس.

يتبنى مائير حبيب تصريحات عنصرية تجاه الفلسطينيين، مستغلًا ازدواجية المعايير في الأوساط الإعلامية والسياسية الفرنسية، ويستخدم اتهامات "معاداة السامية" ضد من يخالفه الرأي

مواقف حبيب المتماهية مع المواقف الإسرائيلية دفعت للتساؤل هل هو ممثل فرنسا لدى إسرائيل أم ممثل إسرائيل لدى فرنسا؟

فخلال فترة ولايته الثانية، لم يتردد حبيب من الطلب من الفرنسيين الإسرائيليين المقيمين بالقدس، بالتصويت لمرشح حزب الليكود في الانتخابات البلدية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

وفي نقاش محتد خلال اجتماع لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية، دفع بالنائبة عن حزب "النهضة" (حزب الرئيس ماكرون) سونيا كريمي، إلى توجيه كلامها الى حبيب قائلة: "أنت ممثل حزب الليكود في فرنسا ولست ممثل الفرنسيين في إسرائيل". فيما قال عنه النائب اليساري هوغو برناليسي: "لم أسمع مداخلة واحدة لمائير حبيب لا يذكر فيها إسرائيل من قريب أو بعيد".

وفي وقت لاحق، في أيار/مايو 2021، بعد أن تحدث وزير الخارجية جان إيف لو دريان عن "خطر الفصل العنصري" تجاه الفلسطينيين، دعا دبلوماسيون في وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى رد فعل محسوب تجاه فرنسا. لكن وفقًا لمصادر دبلوماسية، اتصل حبيب بنتنياهو ليطلب منه أن يكون أكثر حزمًا ضد وزارة الخارجية الفرنسية. وأنْ يلقي أخيرًا خطابًا قاسيًا جدًا ضد فرنسا أمام الكاميرات، وأنّ تستدعي السلطات الإسرائيلية السفير الفرنسي في تل أبيب.

 تتقاطع هذه الوقائع، مع الأخبار التي راجت عن عزم نتنياهو تعيينه سفيرًا لإسرائيل في فرنسا، بعد قرار المجلس الدستوري بعدم أهلية ترشحه لفترة ثالثة، ورد حبيب على هذه الأخبار خلال استضافته من قناة "i24news" الإسرائيلية، وقال: "أنا فرنسي إسرائيلي وفي هذه المرحلة أنا برلماني سابق. صحيح كان هناك اجتماع مع زعماء الجالية اليهودية وقسم منهم اقترح أن أصبح سفيرًا، لكن إن عرض نتنياهو مثل هذا الاقتراح سأعود الى الاستوديو وأخبركم بما قررت".

وخلال الأحداث التي شهدتها فرنسا، بعد اندلاع أعمال شغب قام بها أبناء الضواحي الغاضبين من مقتل الطفل نائل على يد أفراد من الشرطة الفرنسية، خرج حبيب بمواقف عدائية تجاه الشبان الغاضبين وشبه الاحداث بأنها انتفاضة في قلب فرنسا، محذرًا من أنّ جذور هذه الأعمال مستمدة من مناطق في فرنسا تُتهم بـ"معاداة السامية". ليصرح لاحقًا لوسائل إعلام إسرائيلية، بأن "فرنسا تحترق". واصفًا المناطق التي تشهد اضطرابات بأنها "ضائعة من الجمهورية وما فتئت تعشش فيها الكراهية لفرنسا والبيض واليهود منذ سنوات".

وبعد بدأ العدوان على غزة، أظهر حبيب الوجه الأكثر قبحًا، فخلال سؤال لرئيس لجنة المالية والنائب عن حزب "فرنسا الآبية"، إريك كوكرال، لوزيرة الخارجية الفرنسية حول مقتل موظف بالمركز الثقافي الفرنسي، في أعقاب قصف إسرائيلي على مبنى سكني به مدنيون في غزة، قاطعه حبيب قائلًا: "لم ينته الأمر بعد"، وأعاد الجملة مرتين.

وفي حادثة أخرى، صرح حبيب خلال مقابلة مع الإذاعة اليهودية الفرنسية "راديو جي" بأنّ: "العرب يدركون اليوم أي سرطان يمثّله سكان غزة الذين قدمت لهم إسرائيل كل شيء".

سوق حبيب لدعاية أنّ الجيش الاسرائيلي هو الجيش "الأكثر أخلاقية في العالم"، وأنكر الجرائم المرتكبة في غزة والضفة العربية المحتلة، رافق جميع الوفود الرسمية الفرنسية التي زارت إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى.

لا يتوانى مائير حبيب بإطلاق تصريحاته العنصرية تجاه الفلسطينيين لأنه يستند لازدواجية المعايير السائدة في الأوساط الإعلامية والسياسية الفرنسية، ولا يتوقف عن إطلاق تهم "معاداة السامية" تجاه كل من يخالفه الرأي داخل قبة الجمعية الوطنية، وهنا نتساءل إلى متى سيفلت هذا المتطرف من العقاب؟

مسار التاريخ يخبرنا أن لكل المجرمين بداية ونهاية، ومع طلب المدعي العام لدى محكمة الجنايات الدولية من المحكمة إصدار أوامر بإلقاء القبض على نتنياهو، ومع التهديدات بحل الحكومة الإسرائيلية، واقتناع العالم بأن تعنت نتنياهو لإيقاف الحرب متعلق بمستقبله السياسي، ستضيق الدائرة على حبيب، فنهاية مستقبل نتنياهو السياسي ستكون حتمًا نهاية لصوت الإبادة الجماعية في فرنسا.